عاجل

علاء الشيخ:فجوة القدرة الشرائية تعيد تشكيل معادلة الطلب وصناعة التطوير العقاري

علاء الشيخ
علاء الشيخ

أكد علاء الشيخ، خبير التطوير العقاري، أن التحدي الرئيسي الذي يواجه السوق العقاري المصري خلال السنوات الأخيرة يرتبط بصورة أساسية بفجوة القدرة الشرائية، والتي اتسعت نتيجة الفارق بين معدلات نمو أسعار العقارات والتكاليف من ناحية، ومعدلات نمو دخول المواطنين من ناحية أخرى، وهو ما بدأ ينعكس بصورة مباشرة على طبيعة الطلب وحركة السوق.

وأوضح الشيخ أن قراءة مؤشرات Price to Income Ratio خلال السنوات الخمس الأخيرة، بالتزامن مع معدلات التضخم، تكشف عن تغيرات جوهرية في معادلة السوق، موضحًا أن ارتفاع أسعار الأراضي وتكاليف الإنشاء ومدخلات الإنتاج، بالتوازي مع ارتفاع أسعار المحروقات وتغيرات سعر الصرف، أدى إلى زيادة تكلفة المنتج العقاري، بينما لم تتحرك دخول المواطنين بالمعدلات نفسها.

وقال إن هذه الفجوة وضعت صناعة التطوير العقاري أمام معادلة شديدة التعقيد؛ فالمطور يواجه ارتفاعًا مستمرًا في تكلفة الإنتاج، وفي الوقت نفسه لا يستطيع نقل كامل الزيادة إلى سعر الوحدة، لأن القدرة الشرائية للعميل أصبحت عاملًا حاسمًا في قرار الشراء.

وأضاف أن هذا الوضع دفع المطورين إلى ابتكار حلول تسويقية وتمويلية لردم هذه الفجوة، كان أبرزها التوسع في آجال السداد التي وصلت في بعض المشروعات إلى 12 و15 عامًا، إلى جانب خفض نسب المقدمات إلى مستويات محدودة للغاية، وفي بعض الحالات طرح وحدات دون مقدم.

وأشار الشيخ إلى أن هذه الآليات ساعدت على الحفاظ على قدر من الطلب، لكنها في المقابل نقلت جزءًا كبيرًا من العبء المالي إلى المطور، موضحًا أن حصول العميل على فترات سداد طويلة يعني أن المطور يحصل على قيمة مبيعاته على مدار سنوات، بينما يظل ملتزمًا خلال الفترة نفسها بتكاليف الأرض والإنشاء والتمويل والتشغيل.

وأوضح أن هذا الضغط على التدفقات النقدية Cash Flow دفع شركات التطوير العقاري إلى البحث عن أدوات تمويلية مختلفة، من بينها توريق أقساط العملاء، وحوالة الحق، والاقتراض من البنوك، بهدف توفير السيولة اللازمة لاستكمال الإنشاءات والوفاء بالتزامات التنفيذ والتسليم.

وأكد أن المطور العقاري أصبح يتحمل جانبًا كبيرًا من آثار المتغيرات الاقتصادية التي لا يملك التحكم فيها، قائلًا: «المطور لا يحدد سعر الدولار، ولا أسعار المحروقات، ولا تكلفة مدخلات البناء، ولا يضع سعر الأرض، لكنه في النهاية يتحمل انعكاس كل هذه المتغيرات على تكلفة المشروع وقدرته على التسعير».

وأضاف أن المعادلة تصبح أكثر تعقيدًا عندما يلجأ المطور إلى الاقتراض، إذ يصبح مطالبًا بسداد أقساط وفوائد التمويل المصرفي، إلى جانب الالتزامات المرتبطة بالأرض، وفي الوقت نفسه يؤدي دور الممول للعميل من خلال خطط السداد الممتدة لسنوات طويلة.

وقال الشيخ إن تحميل المطور هذه الأدوار مجتمعة يرفع مستوى المخاطر داخل صناعة التطوير العقاري، لأن المطور لا يعمل فقط على تنفيذ المشروع وبيعه، وإنما أصبح يتحمل جزءًا كبيرًا من عملية التمويل نفسها، وهو ما يضغط على السيولة وقد يؤثر في قدرة بعض الشركات على الالتزام بالجداول الزمنية للمشروعات.

وشدد على أن أي تأخير أو تعثر في السوق لا ينبغي النظر إليه بمعزل عن البيئة الاقتصادية والتمويلية التي يعمل داخلها المطور، مؤكدًا في الوقت نفسه أن حماية حقوق العملاء تظل عنصرًا أساسيًا في أي منظومة تنظيمية ناجحة، لكن تحقيق ذلك يتطلب توزيع المخاطر بصورة أكثر توازنًا بين الدولة والمطور والقطاع المصرفي والعميل.

وطالب الشيخ بضرورة توسع البنوك في تمويل المشروعات العقارية، سواء خلال مراحل الإنشاء أو بعد التسليم، بما يخفف الضغط على التدفقات النقدية للمطور، ويعيد توزيع مخاطر التمويل داخل السوق بدلًا من تركها مركزة لدى شركات التطوير.

كما دعا إلى تفعيل منظومة تمويل عقاري واسعة وفعالة بفوائد منخفضة وآجال طويلة تصل إلى 20 و30 عامًا، مؤكدًا أن التمويل العقاري يمثل أحد أهم الأدوات القادرة على معالجة فجوة القدرة الشرائية، لأنه يتيح للعميل توزيع تكلفة شراء الوحدة على فترة زمنية تتناسب بصورة أكبر مع دخله.

وأوضح أن حل أزمة القدرة الشرائية لا يمكن أن يعتمد فقط على زيادة آجال السداد التي يقدمها المطور، لأن ذلك يحول المطور تدريجيًا إلى ممول، بينما الأصل أن تقوم البنوك بدورها في توفير التمويل العقاري طويل الأجل للعميل.

وأشار إلى أهمية تطبيق منظومة واضحة لحسابات Escrow Account، تحقق توازنًا بين حقوق العميل واحتياجات المطور، وتضمن توجيه أموال المشروعات وفق إطار واضح، بما يحمي العملاء ويمنح الشركات الجادة مساحة آمنة لإدارة السيولة واستكمال أعمال التنفيذ.

وفي السياق نفسه، أكد الشيخ أن ملف الأراضي يمثل أحد أهم عناصر تكلفة المنتج العقاري، داعيًا إلى إعادة النظر في حجم الطروحات وأسعار الأراضي بما يتناسب مع قدرة السوق على الاستيعاب، خاصة أن ارتفاع تكلفة الأرض ينتقل في النهاية إلى سعر الوحدة ويزيد من اتساع فجوة القدرة الشرائية.

وأكد أن إعادة التوازن إلى السوق العقاري لا تعني الضغط على المطور لخفض الأسعار بصورة غير واقعية، وإنما تتطلب معالجة مكونات التكلفة والتمويل من جذورها، بما يسمح بإنتاج وحدات تتناسب مع مستويات الطلب الحقيقية، ويضمن في الوقت نفسه استدامة الشركات وقدرتها على التنفيذ.

واختتم علاء الشيخ بالتأكيد على أن المطالب المتعلقة بتطوير منظومة التمويل العقاري، وتفعيل حسابات الـEscrow، وإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمطور والعميل، وإعادة النظر في تكلفة الأراضي، ليست أفكارًا جديدة، وإنما مطالب سبق طرحها على مدار سنوات من جانب العاملين في القطاع، انطلاقًا من إدراكهم بأن استمرار الفجوة بين ارتفاع التكاليف وتراجع القدرة الشرائية سيؤدي تدريجيًا إلى إعادة تشكيل طبيعة الطلب وحركة صناعة التطوير العقاري.

وقال: «المعادلة العقارية لا تستقيم إذا ظل المطور يتحمل تكلفة الأرض والإنشاء والتمويل، وفي الوقت نفسه يقوم بتمويل العميل؛ المطلوب هو إعادة توزيع الأدوار والمخاطر حتى تعود صناعة العقار إلى نموذج أكثر توازنًا واستدامة».

تم نسخ الرابط