عاجل

د. محمد راشد يكتب: عندما لا يكون ارتفاع المبيعات دليلًا كافيًا على قوة السوق العقاري

محمد راشد
محمد راشد

في النقاشات المتعلقة بالسوق العقاري المصري، كثيرًا ما نلجأ إلى مؤشرين رئيسيين للإجابة عن سؤال يبدو بسيطًا لكنه في الحقيقة شديد التعقيد: هل السوق بخير؟

ننظر إلى حجم المبيعات، ثم نراقب حركة الأسعار، فإذا كانت التعاقدات مرتفعة والأسعار في صعود، نميل إلى اعتبار ذلك دليلًا على قوة السوق.

لكن هل تكفي هذه المؤشرات فعلًا؟

الإجابة الاقتصادية الأكثر دقة هي: ليس دائمًا.

فالمبيعات التعاقدية رقم مهم، لأنها تخبرنا بأن هناك مشترين مستعدين للدخول في السوق وفق الأسعار والشروط المطروحة، لكنها لا تخبرنا وحدها بطبيعة هذا الطلب، ولا بما إذا كانت الوحدات ستدخل حيز الاستخدام الفعلي، ولا بالعائد الحقيقي الذي سيحققه المستثمر، ولا بقدرة المشروع على خلق قيمة عمرانية واقتصادية مستدامة.

وهنا تبدأ أهمية السؤال الذي ربما لا نطرحه بالقدر الكافي: ماذا تقيس أرقام المبيعات بالضبط؟

هناك فارق بين التعاقد والتحصيل، وبين التحصيل والإيراد المحاسبي، وبين سعر الوحدة بالتقسيط وقيمتها الاقتصادية المكافئة نقدًا، وبين الوحدة التي تم بيعها والوحدة التي تم تسليمها، ثم بين الوحدة التي تم تسليمها والوحدة التي دخلت بالفعل مرحلة التشغيل والإشغال.

كل هذه أرقام مرتبطة بالسوق، لكنها لا تعني الشيء نفسه.

ولذلك، فإن المشكلة ليست دائمًا في الرقم الذي نعلنه، وإنما أحيانًا في السؤال الذي نطلب من الرقم أن يجيب عنه.

إذا ارتفعت المبيعات، فهذا يعني أن النشاط موجود.

لكن هل يعني ذلك أن الطلب النهائي قوي بالقدر نفسه؟

وإذا ارتفعت الأسعار، فهل يعني ذلك أن القيمة الحقيقية للأصل ارتفعت، أم أن جزءًا من الزيادة يعكس التضخم وارتفاع تكاليف البناء وتغيرات سعر الصرف؟

وإذا اشترى المستثمر وحدة وارتفع سعرها بعد سنوات، فهل حقق بالفعل عائدًا حقيقيًا بعد احتساب تكلفة الأموال، ومواعيد السداد، ومصاريف التشغيل والصيانة، والعائد الذي كان يمكن أن يحصل عليه من بديل استثماري آخر؟

هذه الأسئلة لا تنتقص من أهمية السوق العقاري، بل على العكس، هي التي تساعدنا على فهمه بصورة أكثر نضجًا.

العقار ليس مجرد سلعة ترتفع قيمتها مع الوقت، وإنما أصل اقتصادي طويل الأجل، وتقييمه الحقيقي يرتبط بقدرته على إنتاج منفعة أو دخل أو قيمة قابلة للاستمرار.

ومن هنا يصبح توقيع العقد بداية للقصة، وليس نهايتها.

المشروع العقاري لا يثبت نجاحه بالكامل في اللحظة التي يبيع فيها المطور الوحدة، وإنما تبدأ مرحلة أخرى أكثر أهمية عندما يتم التسليم، وتدخل الوحدة أو المشروع حيز الاستخدام، وتظهر الخدمات، ويتشكل المجتمع العمراني، ويبدأ الأصل في إنتاج قيمة اقتصادية فعلية.

وهذا لا يعني أن بطء الإشغال يمثل فشلًا تلقائيًا.

فمشروع تم تسليمه حديثًا لا يمكن مقارنته بمشروع مر على تشغيله عدة سنوات، كما أن طبيعة الاستخدام تختلف من السكن الدائم إلى المصايف، ومن الوحدات السكنية إلى التجارية والإدارية.

لكن ما يعنيه ذلك هو أننا بحاجة إلى مؤشرات أكثر من مجرد رقم المبيعات.

السوق العقاري المصري خلال السنوات الماضية تأثر بمجموعة من المتغيرات الاقتصادية العميقة. التضخم، وتغيرات سعر الصرف، وتكلفة البناء، وأسعار الفائدة، كلها عوامل أعادت تشكيل العلاقة بين المواطن والعقار.

وفي ظل تراجع القوة الشرائية للجنيه، أصبح العقار بالنسبة إلى شريحة من المستثمرين وسيلة للتحوط والحفاظ على قيمة المدخرات.

وهذا تفسير اقتصادي مفهوم.

لكن هناك فارقًا مهمًا بين محاولة الحفاظ على قيمة المال وبين تحقيق عائد حقيقي على المال.

فارتفاع سعر العقار من مليون إلى ثلاثة ملايين جنيه، على سبيل المثال، لا يخبرنا وحده بما إذا كان الاستثمار قد حقق عائدًا حقيقيًا أم لا. نحتاج إلى معرفة الفترة الزمنية، وتوقيتات السداد، ومعدل التضخم، والدخل الذي أنتجه الأصل، والتكاليف التي تحملها المستثمر، وقيمة الخروج الفعلية.

وهنا يظهر عنصر غالبًا ما يتم تجاهله في النقاش العقاري: الزمن.

فالعقار استثمار طويل الأجل، والجنيه الذي أدفعه اليوم ليس مساويًا اقتصاديًا للجنيه الذي سأدفعه بعد عدة سنوات، كما أن سعر البيع في نهاية الرحلة لا يمكن قراءته بمعزل عن تكلفة رأس المال والبدائل الاستثمارية المتاحة خلال الفترة نفسها.

ولهذا فإن ارتفاع المبيعات بالتزامن مع تراجع القدرة الشرائية لبعض شرائح المجتمع ليس بالضرورة تناقضًا.

السوق العقاري ليس سوقًا لعميل واحد، وإنما مجموعة من الأسواق والشرائح والأهداف الاستثمارية.

هناك من يشتري للسكن، ومن يشتري للحفاظ على قيمة مدخراته، ومن يبحث عن دخل إيجاري، ومن يراهن على ارتفاع السعر، ومن يشتري بهدف إعادة البيع، وهناك كذلك من يشتري أصلًا تجاريًا أو إداريًا بهدف التشغيل.

ومن ثم، فإن تفسير السوق من خلال عامل واحد يظل تفسيرًا ناقصًا.

وأعتقد أن السؤال الذي يجب أن ينتقل إلى مقدمة النقاش العقاري هو:

كم باع السوق؟

لكن ليس هذا السؤال وحده.

الأهم: ماذا باع؟ ولمن؟ وبأي شروط؟ وماذا حدث للأصل بعد البيع؟

هذه الأسئلة هي التي تفرق بين سوق يقوم فقط على تدوير التعاقدات، وسوق يبني قيمة اقتصادية حقيقية.

وهنا أيضًا يأتي دور المطور العقاري.

المطور لا يحتاج فقط إلى أن يبيع أكثر، وإنما يحتاج إلى أن يبني منتجًا يحتفظ بقيمته بعد البيع، ويظل قابلًا للاستخدام، وتستمر الخدمات والنشاط بداخله وحوله.

فنجاح المشروع لا ينبغي أن ينتهي عند الحملة الإعلانية أو توقيع العقد، وإنما يجب أن يمتد إلى سنوات التشغيل.

وبالمثل، فإن المستثمر لا يحتاج فقط إلى معرفة سعر الوحدة، وإنما يحتاج إلى معرفة طبيعة الأصل، وحقوق الملكية، ومصادر العائد، والتكاليف، ومخاطر الاستثمار، وشروط التخارج.

وهنا تصبح الأدوات الاستثمارية العقارية المنظمة، مثل الصناديق العقارية، جزءًا مهمًا من تطوير السوق، لأنها تفتح الباب أمام الاستثمار في أصول يمكن قياسها وإدارتها والإفصاح عن تدفقاتها ومخاطرها بصورة أكثر وضوحًا.

لكن وجود أداة منظمة لا يعني ضمان العائد، وإنما يعني أن الاستثمار أصبح قابلًا للقياس والفحص على أسس أكثر وضوحًا.

ويبقى ملف البيانات أحد أهم مفاتيح المرحلة المقبلة.

نحتاج إلى الانتقال من سوق يعتمد بدرجة كبيرة على الأسعار المعلنة إلى سوق يستطيع إنتاج مؤشرات مبنية على صفقات منفذة بالفعل، بقيم وشروط سداد يمكن تحليلها، مع الحفاظ الكامل على خصوصية أطراف التعاملات.

كما أن استكمال جهود الرقمنة وتبسيط إجراءات التسجيل وربط بيانات الأراضي والوحدات ونقل الحقوق يمكن أن يساهم في بناء قاعدة معلومات أكثر دقة، تساعد الدولة والمطور والمستثمر والمواطن على رؤية السوق كما هو، لا كما يبدو في الإعلانات.

في النهاية، أنا لا أرى في هذه الأسئلة تشكيكًا في المطورين، ولا رفضًا لارتفاع الأسعار، ولا تقليلًا من أهمية المبيعات.

على العكس.

كل ما نحتاجه هو أن نقرأ السوق بأدوات أكثر تطورًا.

لأن رقم المبيعات قد يخبرنا كم تحرك السوق، لكنه لا يخبرنا وحده كم قيمة صُنعت.

والتطوير العقاري في جوهره ليس عملية بيع وحدات، وإنما عملية تحويل الأرض ورأس المال والإنشاء إلى أصول لها استخدام، ودخل، وقيمة عمرانية واقتصادية تستمر عبر الزمن.

لذلك، ربما آن الأوان لأن نغيّر السؤال من:

«السوق باع بكام؟»

إلى سؤال أكثر عمقًا:

«السوق خلق كام من القيمة؟»

فهنا تحديدًا يبدأ الانتقال من سوق يقيس نجاحه بعدد ما باعه، إلى سوق يقيس نجاحه بما أبقاه من قيمة بعد أن انتهى البيع.

تم نسخ الرابط