أحمد أبوعلي يكتب: من يقود الآخر الإقتصاد أم العقار ..علاقة تحدد مستقبل السوق
كلما شهدت السوق العقارية حالة من النشاط، ارتفعت الأصوات التي تعتبر العقار قاطرة النمو الاقتصادي، وأن ازدهار البناء والتطوير يعني بالضرورة ازدهار الاقتصاد بأكمله. وفي المقابل، عندما تتباطأ المبيعات أو تتراجع الاستثمارات، يذهب آخرون إلى أن ما يحدث ليس سوى انعكاس لحالة الاقتصاد العامة.
وبين الرأيين، يظل السؤال قائمًا:
من يقود الآخر… الاقتصاد أم العقار؟
قد تبدو الإجابة بسيطة، لكنها في الحقيقة واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في علم الاقتصاد.
فالقطاع العقاري ليس جزيرة مستقلة، كما أنه ليس مجرد تابع سلبي لحركة الاقتصاد. إنه علاقة تبادلية، يتأثر فيها كل طرف بالآخر، ويؤثر فيه في الوقت نفسه.
عندما ينمو الاقتصاد، ترتفع الدخول، وتزداد فرص العمل، ويتوسع النشاط الإنتاجي، فتزداد الحاجة إلى المساكن، والمكاتب، والمصانع، والمخازن، والمراكز التجارية. هنا يصبح نمو العقار نتيجة طبيعية لنمو الاقتصاد.
لكن الصورة لا تتوقف عند هذا الحد.
فعندما تنطلق استثمارات عمرانية ضخمة، وتُنشأ مدن جديدة، وتُنفذ مشروعات للبنية التحتية، فإنها لا تخلق مباني فقط، بل تخلق طلبًا على عشرات الصناعات والأنشطة المرتبطة بها؛ من الأسمنت والحديد، إلى النقل، والخدمات الهندسية، والتكنولوجيا، والتمويل، والتشغيل.
وهنا يتحول العقار من متأثر بالاقتصاد إلى محرك له.
ولهذا، فإن العلاقة بين الطرفين ليست خطًا مستقيمًا، بل دائرة اقتصادية متصلة.
فالاقتصاد القوي يخلق سوقًا عقارية قوية، والسوق العقارية المنظمة تدعم الاقتصاد من خلال الاستثمار، والتوظيف، وتنشيط سلاسل الإمداد، وزيادة قيمة الأصول.
لكن هذه العلاقة لا تعمل دائمًا بالكفاءة نفسها.
فإذا تحول النشاط العقاري إلى مجرد مضاربات على الأسعار، دون أن يرتبط بطلب حقيقي أو نشاط اقتصادي منتج، تبدأ الفجوة في الاتساع بين نمو العقار ونمو الاقتصاد.
حينها قد ترتفع الأسعار، بينما لا يرتفع الإنتاج.
وتزداد قيم الأصول، بينما لا تزداد القيمة المضافة.
وهنا يفقد العقار جزءًا من دوره التنموي، ويتحول من محرك للنمو إلى أصل يدور داخل دائرة مغلقة.
أما عندما يرتبط التطوير العقاري بخطط عمرانية واضحة، واستثمارات إنتاجية، وشبكات نقل، ومناطق صناعية وتجارية، فإنه يصبح جزءًا من البنية الاقتصادية للدولة، لا مجرد نشاط للبيع والشراء.
وفي التجربة المصرية، تبدو هذه الفكرة ذات أهمية خاصة.
فالتوسع في إنشاء المدن الجديدة لا يمكن تقييمه فقط بعدد الوحدات التي أُنشئت، وإنما بقدرته على خلق مراكز اقتصادية جديدة، وجذب السكان، وتوليد فرص العمل، وتحفيز الاستثمار الخاص.
فالمدينة التي تنجح في بناء اقتصاد محلي متنوع، تمنح العقار قيمة مستدامة.
أما المدينة التي تعتمد على المباني وحدها، فقد تواجه صعوبة في الحفاظ على الزخم نفسه على المدى الطويل.
ولهذا، فإن نجاح القطاع العقاري لا يُقاس فقط بحجم المبيعات، بل بمدى مساهمته في رفع إنتاجية الاقتصاد.
فالعقار ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لخلق بيئة تسمح للأفراد والشركات بالإنتاج، والابتكار، والنمو.
ومن هنا، فإن أفضل السياسات العقارية ليست تلك التي تركز على زيادة البناء فقط، وإنما تلك التي تربط البناء بالتنمية الاقتصادية، وتجعل كل مشروع عمراني جزءًا من رؤية أشمل للاقتصاد.
وفي النهاية، فإن السؤال: من يقود الآخر… الاقتصاد أم العقار؟ لا يملك إجابة أحادية.
فالاقتصاد يمنح العقار أسباب النمو، والعقار يمنح الاقتصاد أدوات التوسع.
لكن حين يختل هذا التوازن، ويفقد أحد الطرفين قدرته على دعم الآخر، تبدأ الاختلالات في الظهور، سواء في الأسعار، أو في الاستثمار، أو في كفاءة تخصيص رأس المال.
ولهذا، فإن مستقبل القطاع العقاري لن تحدده حركة الأسعار وحدها، بل ستحدده قدرته على أن يظل جزءًا من الاقتصاد الحقيقي، لا مجرد سوق للأصول.
فالعقار يزدهر عندما ينمو الاقتصاد، لكنه يصبح أكثر قيمة عندما يشارك في صناعة هذا النمو. وهنا تتحول العلاقة بينهما من علاقة تبعية إلى علاقة شراكة، وهي الشراكة التي تصنع الاقتصادات القوية والمدن القادرة على الاستمرار.