ثمة سؤال يتجاوز تفاصيل المشهد الشرق أوسطي الراهن، ويستحق أن يكون في صدارة النقاش العربي حول مستقبل المنطقة : ماذا يتبقى من الإقليم عندما تتراجع الدولة الوطنية لحساب الفاعلين من خارج مؤسساتها؟
السؤال ليس افتراضيًا، ولا ينتمي إلى سجالات الفكر السياسي وحدها؛ فالتطورات المتلاحقة في الشرق الأوسط جعلت من مفهوم " الدولة الوطنية " قضية أمن واستقرار بقدر ما جعلت منها قضية سيادة وهوية ومواطنة. وبين حروب مفتوحة، وأزمات ممتدة، وتدخلات خارجية، وصراعات على الممرات البحرية ومصادر الطاقة، وتنامٍ لأدوار الفاعلين من غير الدول، تبدو المنطقة وكأنها تعيش مرحلة من " السيولة الاستراتيجية" التي تتغير فيها موازين القوة بوتيرة أسرع من قدرة المؤسسات السياسية على احتواء تداعياتها.
وفي هذا السياق، جاءت كلمة مصر أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي ألقاها رئيس مجلس الوزراء الدكتور/ مصطفى مدبولي في 25 سبتمبر 2026 ، لتضع مفهوم الدولة الوطنية في قلب رؤية مصر للأمن الإقليمي، فقد أكدت الكلمة أن الأزمات المتتالية، على اختلاف ظروفها، تقود إلى حقيقة مفادها أن الدولة الوطنية القادرة والجامعة لكل مواطنيها، ومؤسساتها الشرعية، تظل أساس الاستقرار في الشرق الأوسط، بالتوازي مع التأكيد على سيادة الدول ووحدة أراضيها ورفض تفكيكها أو إنشاء كيانات موازية لمؤسساتها.
وهنا تكمن أهمية الرسالة المصرية : فهي لا تتعامل مع الدولة الوطنية باعتبارها مجرد إطار قانوني للسيادة، وإنما باعتبارها وحدة البناء الأساسية للأمن الإقليمي.
أولا: حين تصبح الدولة نفسها ساحة للصراع
لقد كشفت السنوات الأخيرة أن أخطر ما يمكن أن يصيب الدولة ليس فقط تعرضها لعدوان خارجي، وإنما فقدانها تدريجيًا قدرتها على أداء وظائفها الأساسية.
فعندما تتعدد مراكز القوة المسلحة داخل الدولة، أو تتراجع قدرة مؤسساتها على فرض القانون، أو يصبح القرار الوطني موزعًا بين قوى داخلية وخارجية، فإن الأزمة لا تعد مجرد خلاف سياسي حول حكومة أو برنامج أو انتخابات، وإنما تتحول إلى أزمة في بنية الدولة ذاتها.
وهنا تبدأ الحلقة الأخطر، فإضعاف الدولة لا يخلق فراغًا سياسيًا فقط؛ بل يفتح بابا لفراغ استراتيجي تتنافس على ملئه قوى متعددة، محلية وإقليمية ودولية ، وكلما طال أمد هذا الفراغ، ازدادت صعوبة إعادة بناء المؤسسات واستعادة القرار الوطني.
ومن هذه الزاوية تبدو عبارة " إدارة الأزمات بدلًا من حلها" التي وردت في كلمة مصر أمام الجمعية العامة أكثر من توصيف دبلوماسي؛ إنها خلاصة لتجربة إقليمية طويلة ، فالأزمة التي لا تجد تسوية سياسية شاملة لا تختفي، وإنما تنتقل من مرحلة إلى أخرى، وقد تتحول من نزاع داخلي إلى أزمة إقليمية، ومن أزمة إقليمية إلى تهديد للأمن الدولي.
ربطت مصر في كلمتها بين هذا المسار وبين ضرورة إعلاء الحلول السياسية والتسويات الوطنية الجامعة فوق منطق القوة وفرض الأمر الواقع.
ثانيا: السيادة : من مبدأ قانوني إلى شرط للاستقرار
من هنا تكتسب السيادة معنى يتجاوز التعريف القانوني التقليدى ، فالسيادة ليست مجرد الاعتراف بحدود دولة على الخريطة، وإنما قدرتها على اتخاذ القرار، وإدارة إقليمها، وحماية مواطنيها، وتحديد علاقاتها الخارجية، والاحتفاظ بالحق الحصري في استخدام أدوات القوة من خلال مؤسساتها الشرعية.
حين تتآكل هذه الوظائف، تصبح الدولة نفسها ساحة مفتوحة لتوازنات الآخرين ، ولهذا جاءت الإشارة المصرية في الأمم المتحدة إلى أن الرؤية المصرية للأمن الإقليمي تقوم على سيادة الدول ووحدة أراضيها واحترام مؤسساتها الوطنية، وعلى رفض تفكيك الدول أو إنشاء كيانات موازية لها ، وهي رؤية تتسق مع مبدأ أوسع طرحته مصر في الكلمة نفسها بشأن ضرورة استعادة الاحتكام إلى القانون الدولي، واحترام مبدأ المساواة في السيادة، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية.
والمغزى هنا بالغ الأهمية : لا يمكن بناء نظام إقليمي مستقر على دول ضعيفة أو مجزأة أو منزوعة القرار.
فالأمن الإقليمي ليس حاصل جمع القدرات العسكرية للدول فقط؛ وإنما هو أيضًا حاصل جمع قدرتها على إدارة أزماتها الداخلية، وضبط حدودها، وحماية مؤسساتها، والدخول في ترتيبات إقليمية من موقع الدولة صاحبة القرار.
ثالثا: من الدولة الوطنية إلى الأمن الإقليمي
ربما كانت إحدى أبرز التحولات في الشرق الأوسط أن حدود الأمن القومي لم تعد تتطابق مع حدود الدولة.
فأمن الخليج يتقاطع مع أمن البحر الأحمر، وأمن البحر الأحمر يرتبط بالتجارة العالمية وقناة السويس، وأزمات القرن الأفريقي يمكن أن تمتد آثارها إلى أمن الملاحة والطاقة، بينما أصبح الصراع في أي نقطة من الإقليم قادرًا على التأثير في الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة.
ومن ثم، فإن الحديث عن الدولة الوطنية لا يعني العودة إلى مفهوم " مغلق " للسيادة، وإنما يعني العكس : دول وطنية قوية وقادرة على التعاون هي الأساس لبناء أمن إقليمي مشترك.
وفي هذا الإطار يمكن فهم التحرك المصري المتواصل من أجل خفض التصعيد، والاحتكام إلى الدبلوماسية، واحترام سيادة الدول، وإيجاد تسويات سياسية للأزمات ، كما يتقاطع ذلك مع الاجتماع التشاوري الذي جمع مصر والسعودية وتركيا وباكستان في نيويورك خلال أعمال الجمعية العامة، والذي أكد أهمية الحوار والدبلوماسية وتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.
فالدولة الوطنية القوية لا تعني الدولة المنعزلة، بل الدولة التي تدخل النظام الإقليمي والدولي من موقع قادر على حماية مصالحها والمشاركة في صياغة قواعده.
رابعا : فلسطين : الاختبار الأكثر وضوحًا
لعل القضية الفلسطينية تقدم المثال الأكثر وضوحًا على العلاقة بين الأرض والدولة والسيادة والاستقرار.
ففي كلمتها أمام الجمعية العامة، أكدت مصر رفضها القاطع لأي محاولة لتهجير الشعب الفلسطيني، وربطت السلام المستدام بإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، والحفاظ على وحدة الأرض والنظام السياسي الفلسطيني، وتمكين الشعب الفلسطيني من إدارة شؤونه وبناء دولته.
وهنا تتجاوز المسألة حدود الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لتلامس قاعدة أوسع في النظام الإقليمي: لا يمكن صناعة استقرار دائم عبر إلغاء حق شعب في الدولة أو إعادة هندسة الجغرافيا السياسية بالقوة.
فالسلام الذي يقوم على الإزاحة لا يكون سلامًا مستدامًا، والتسوية التي تتجاهل حقوق الشعوب لا تنتج استقرارًا، وإنما تؤجل أسباب الصراع.
ومن ثم، فإن الدفاع عن الدولة الوطنية لا ينبغي أن يُفهم فقط باعتباره دفاعًا عن الدول القائمة، بل كذلك دفاعًا عن حق الشعوب في امتلاك إطار سياسي شرعي يمارس من خلاله أبناؤها حقهم في تقرير مستقبلهم.
خامسا : الدولة الوطنية بين الأمن والتنمية
كن ثمة جانبًا آخر لا يقل أهمية ، فإذا كانت الدولة الوطنية هي شرط الاستقرار، فإن استقرارها لا يمكن أن يقوم على الأدوات الأمنية وحدها – على اهميتها البالغة - ، فالدولة، في جوهرها، ليست حدودًا وجيشًا ومؤسسات إدارية فقط، وإنما هي عقد سياسي واجتماعي بين المواطن والمؤسسات.
ولهذا فإن الدولة الوطنية التي تحتاجها المنطقة هي دولة قوية بالمؤسسات، عادلة بالقانون، جامعة لمواطنيها، وقادرة على توفير شروط التنمية والفرص.
وهذا المعنى حاضر بوضوح في الرؤية التي طرحتها مصر أمام الجمعية العامة؛ فالكلمة لم تفصل بين الأمن والتنمية، وإنما ربطت التنمية بالاستقرار، وأكدت أن الاستثمار في التنمية هو استثمار في قدرة الدول على منع الأزمات قبل أن تتحول إلى أزمات إنسانية وأمنية عابرة للحدود.
وهنا تظهر العلاقة العضوية بين الدولة والمواطنة والتنمية ، فكلما شعر المواطن أن الدولة تحمي حقوقه وتوفر له فرصًا عادلة، أصبحت الهوية الوطنية أكثر رسوخًا، وأصبح المجتمع أكثر قدرة على مقاومة الاستقطاب والهويات المتصارعة ، أما حين تتراجع الثقة في المؤسسات، أو تتسع الفجوات الاجتماعية، أو تغيب آفاق المستقبل، فإن الهويات الفرعية تصبح أكثر قابلية للتوظيف السياسي، وتصبح الدولة أكثر هشاشة أمام التدخلات والصراعات.
سادسا : مصر : من ثبات المبدأ إلى رؤية للإقليم
في هذا السياق، يمكن قراءة الموقف المصري من الدولة الوطنية باعتباره جزءًا من رؤية أوسع للمنطقة، وليس مجرد موقف مرتبط بأزمة بعينها.
فالقاهرة تنطلق من أن أمنها القومي لا يمكن فصله عن استقرار محيطها العربي والأفريقي، وأن حماية الدولة الوطنية في دول الإقليم ليست مسألة تضامن سياسي فحسب، وإنما جزء من منظومة الأمن الإقليمي التي تتأثر بها مصر مباشرة.
وقد أعادت كلمة مصر أمام الجمعية العامة صياغة هذه الرؤية في إطار دولي واضح : سيادة الدول، وحدة الأراضي، المؤسسات الشرعية، الحلول السياسية، ورفض تفكيك الدول أو إنشاء كيانات موازية.
واللافت أن هذه المبادئ جاءت ضمن تصور أشمل لإصلاح النظام الدولي نفسه ، فقد ربطت مصر استعادة الثقة في النظام متعدد الأطراف بثلاثة أبعاد مترابطة: العدالة في التمثيل وصنع القرار، والعدالة في تطبيق القانون، والعدالة في توزيع فرص التنمية والتحول، مع التأكيد على المساواة في السيادة واحترام القانون الدولي.
وبذلك لا تبدو الدولة الوطنية، في الرؤية المصرية، منفصلة عن النظام الدولي؛ بل جزءًا من معادلة أوسع تقوم على أن قوة القانون ينبغي أن تتقدم على قانون القوة.
سابعا : من إدارة الأزمات إلى إعادة بناء الإقليم
إن المشكلة الأكبر أمام الشرق الأوسط تكمن في أن إدارة الأزمات أصبحت في أحيان كثيرة بديلًا عن معالجة أسبابها تهدأ جبهة لتشتعل أخرى، ويتوقف القتال في ساحة بينما تنتقل تداعياته إلى ساحة مختلفة، وتتغير التحالفات بينما تبقى جذور الصراع قائمة ، لكن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يكون مجرد غياب مؤقت لإطلاق النار.
إن الاستقرار هو أن تمتلك الدولة مؤسسات قادرة على منع عودة الحرب، وأن يمتلك المجتمع أدوات سياسية سلمية لإدارة اختلافاته، وأن تتوافر البيئة الاقتصادية التي تمنع تحول الأزمات الاجتماعية إلى وقود للصراعات، وأن يجد الإقليم قواعد مشتركة لإدارة خلافاته.
ولهذا فإن إعادة بناء الشرق الأوسط لا تحتاج فقط إلى وقف الحروب، وإنما إلى إعادة بناء قواعد العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الدول بعضها وبعض، وبين الإقليم والنظام الدولي.
ثامنا : الدولة الوطنية : نقطة البداية لا نهاية الطريق
ربما يكون الخطأ الأكبر في النقاش حول الدولة الوطنية هو النظر إليها باعتبارها مفهومًا مكتملًا لا يحتاج إلى تطوير، أو باعتبارها عقبة أمام الإصلاح.
والأدق أن الدولة الوطنية ليست نهاية الطريق، وإنما نقطة البداية ، فالحفاظ عليها يجب أن يترافق مع تطوير مؤسساتها، وتعزيز سيادة القانون، وترسيخ المواطنة، وتحقيق التنمية، وتوسيع قدرة المجتمعات على المشاركة في صناعة مستقبلها .
إن الدولة القوية ليست الدولة التي تمنع التغيير، وإنما الدولة التي تدير التغيير من دون أن تتحول المجتمعات إلى ساحات مفتوحة للفوضى.
وهنا تكمن قيمة الرسالة المصرية التي أعيد طرحها أمام العالم من فوق منبر الأمم المتحدة ، أن معالجة أزمات الشرق الأوسط لا يمكن أن تقوم على تفكيك الدول أو تجاوز مؤسساتها، وإنما على استعادة قدرتها على أداء وظائفها، وعلى تسويات سياسية جامعة، وعلى نظام إقليمي يحترم السيادة ويمنع تحويل القوة إلى بديل عن الشرعية.
والسؤال الذي ينبغي أن يظل مطروحًا أمام المنطقة ليس فقط: من يملك النفوذ الأكبر؟
بل السؤال الأعمق : كيف نبني شرق أوسط تكون فيه الدولة الوطنية وحدة الاستقرار الأساسية، لا ساحة الصراع الأساسية؟
ذلك هو التحدي الحقيقى ، فالدولة الوطنية ليست عودة إلى الماضي، وإنما شرط للعبور إلى المستقبل، والسيادة ليست شعارًا دبلوماسيًا، وإنما قدرة على صناعة القرار. والمؤسسات ليست هياكل إدارية، وإنما الضمانة التي تحول دون تحول الاختلاف إلى صراع و اقتتال ، والتنمية ليست ملفًا اقتصاديًا منفصلًا عن الأمن، وإنما إحدى أهم أدوات الوقاية من الأزمات.
وفي منطقة تتقاطع فيها الجغرافيا السياسية مع أمن الطاقة والمياه والغذاء والممرات البحرية، يصبح الدفاع عن الدولة الوطنية دفاعًا عن فكرة الاستقرار ذاتها.
فالشرق الأوسط لا يحتاج فقط إلى وقف الحروب؛ بل يحتاج إلى استعادة الدولة قدرتها على منع عودة الحروب .
وهنا، ربما تبدأ المعادلة الأكثر واقعية لمستقبل الإقليم : دولة وطنية متماسكة، ومؤسسات شرعية، ومواطنة جامعة، وتنمية قادرة على إنتاج الاستقرار، ونظام إقليمي يقوم على احترام السيادة، ونظام دولي يجعل القانون قاعدة لإدارة القوة لا غطاءً لتجاوزها.