لم تعد الرقمنة مجرد استخدام للإنترنت أو تحويل المستندات الورقية إلى إلكترونية بل أصبحت تحولًا في طريقة إنتاج الثروة وإدارة الأعمال وتقديم الخدمات والوصول إلى الأسواق وفي قلب هذا التحول يأتي الاقتصاد الرقمي إلى جانب الشمول المالي والتعهيد والعمل الحر «الفريلانسر» وهذه المجالات تكتسب أهمية خاصة لمصر لأنها تجمع بين ميزة رأس المال البشري واتساع السوق والموقع الجغرافي وإمكانية تصدير الخدمات دون نقل المنتج ماديًا وهو مايعرف ب تصدير العقول وليس انتقال العمالة.
والسؤال لم يعد: هل تدخل مصر الاقتصاد الرقمي؟ وإنما هل تستطيع مصر تحويل الرقمنة إلى إنتاجية وصادرات واستثمارات ووظائف عالية القيمة بحيث تصبح أحد محركات النمو المستدام؟
وللتوضيح للشباب والكبار فان الرقمنة تعنى استخدام التكنولوجيا والبيانات لتنفيذ الأعمال والخدمات بصورة أسرع وأكثر كفاءة بينما التحول الرقمي يعني إعادة تصميم طريقة العمل اعتمادًا على التكنولوجيا أما الاقتصاد الرقمي فهو النشاط الاقتصادي الذي يعتمد على التكنولوجيا الرقمية في الإنتاج والتوزيع والتسويق وتقديم الخدمات.
وفى هذا الشأن، لا توجد طريقة عالمية موحدة لقياس الاقتصاد الرقمي ولذلك فإن مساهمة قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في الناتج الاجمالى ليست مساوية لحجم الاقتصاد الرقمي كله.
وفى الحالة المصرية فقد بلغت مساهمة قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات فقط نسبة 2.4% من الناتج المحلي في السنة المالية 2024/2025 مع نمو القطاع بنسبة 13.8 % وفي السنة المالية 2025/2026 بلغ نمو القطاع 24.3 % في الربع الرابع وهو أعلى معدل نمو ولكن أهمية القطاع لا تقاس بحجمه الحالي ، فالرقمنة أصبحت ترفع إنتاجية الصناعة والتجارة والبنوك والسياحة والنقل والحكومة ولا يظهر كل هذا الأثر في رقم قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
كما يعنى الشمول المالي إتاحة الخدمات المالية الرسمية رقميا للأفراد والمشروعات مثل الحسابات البنكية والمحافظ الإلكترونية والبطاقات والمدفوعات والتمويل ووصل معدل الشمول المالي إلى 79 % بنهاية يونيو 2026 أي 56.4 مليون مواطن من أصل 71.4 مليونًا في الفئة العمرية 15 عامًا فأكثر كما بلغ الشمول المالي للمرأة 72.5 % وللشباب 15–35 عامًا 58 % . ولا يعني هذا أن الشمول المالي يمثل 79% من الناتج المحلي فهو ليس قطاعًا اقتصاديًا مستقلًا وإنما أداة تؤثر في الاقتصاد عبر توسيع التعاملات الرسمية وتحسين المدفوعات ودعم المشروعات الصغيرة وتسهيل الوصول إلى التمويل.
وكذا ، يمثل التعهيد أهم الفرص المصرية إذ تنتقل مصر من تصدير السلع إلى تصدير خدمات قائمة على المعرفة مثل البرمجيات وخدمات الأعمال والدعم الفني وتحليل البيانات والخدمات الهندسية والبحث والتطوير وزادت صادرات التعهيد من 2.4 مليار دولار عام 2022 إلى نحو 5.2 مليار دولار عام 2025 بينما بلغ عدد الشركات العاملة في المنظومة 252 شركة تعمل من خلال 282 مركزًا عالميًا بينها 177 شركة متعددة الجنسيات ويعمل بها أكثر من 195 ألف متخصص وتستهدف وزارة الاتصالات رفع صادرات التعهيد إلى 8 مليارات دولار بحلول 2028 ويتحرك النشاط من مراكز الاتصال التقليدية إلى خدمات أعلى قيمة تشمل الذكاء الاصطناعي والبرمجيات والهندسة والبحث والتطوير.
ويمثل العمل الحر الرقمي (الفريلانسر) نموذجًا جديدًا لتصدير الخدمات فالمبرمج أو المصمم أو محلل البيانات يستطيع التعامل مباشرة مع عميل في أوروبا أو الخليج أو أمريكا من داخل مصر ويقدر عدد المهنيين المستقلين رقميًا في مصر بنحو850 ألف وتقع مصر ضمن أفضل 10 دول عالميًا في العمل الحر وتكمن الفرصة الحقيقية فى تحقيق المعادلة المصرية أن المهارات البشرية فى الخدمات الرقمية توفر عملة أجنبية واستثمارات وخلق وظائف عالية القيمة.
والسؤال هل يصبح الاقتصاد الرقمي قاطرة للنمو المستدام؟ والاجابة أن المؤشرات الحالية تسمح باعتباره أحد المحركات الواعدة للنمو المصري وليس بديلًا عن الصناعة والزراعة والسياحة والطاقة واللوجستيات فالقيمة الحقيقية للرقمنة تظهر عندما ترفع إنتاجية هذه القطاعات جميعًا.
وتشير البيانات أن قطاع الاتصالات كان من القطاعات التي ساهمت بقوة في نمو الاقتصاد المصري خلال 2025/2026 في الوقت الذي وصلت فيه صادرات التعهيد إلى أكثر من 5 مليارات دولار وزيادة الشمول المالي إلى 79 % .
هذا، وتقف مصر أمام فرصة تتجاوز مجرد «التحول الرقمي» فالمطلوب هو الانتقال من استخدام التكنولوجيا إلى إنتاجها وتصديرها ومن زيادة عدد المستخدمين إلى زيادة الإنتاجية والقيمة المضافة وتملك مصر عناصر هامة لهذه المعادلة وهى قاعدة بشرية واسعة وموقعًا جغرافيًا ونموًا سريعًا لقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وتوسعًا في التعهيد.
وإذا نجحت مصر في الانتقال من الخدمات الرقمية منخفضة القيمة إلى الذكاء الاصطناعي والبرمجيات والهندسة وتحليل البيانات والبحث والتطوير فإن الاقتصاد الرقمي يمكن أن يتحول من قطاع سريع النمو إلى رافعة حقيقية للتنمية المستدامة وزيادة الصادرات وتحسين تنافسية الاقتصاد المصري وضمان دور اقليمى ودولى لمصر فى المرحلة المقبلة.