لم يكن أحد يتصور أن يصبح التركيز مهارة مهددة بالانقراض، أو أن تتحول القراءة المتأنية إلى عادة تحتاج إلى حملات وطنية لإنقاذها. لكن هذا، على ما يبدو، أحد وجوه الحياة في زمن الطوفان الرقمي، فهناك آلاف المقاطع والصور والرسائل تتدفق كل يوم إلى هواتفنا، فنستهلك كمًا هائلًا من المعلومات، بينما لا نمنح أنفسنا دائمًا الوقت الكافي لفهمها، فضلًا عن التأمل فيها.
وخلال السنوات الأخيرة، انتشر تعبير "تعفن الدماغ" أو “Brain Rot” لوصف ذلك الشعور بالإرهاق الذهني والتشتت المرتبط بالإفراط في استهلاك المحتوى السريع والسطحي. والمفارقة أن التعبير نفسه ليس وليد عصر "تيك توك" و"الريلز" كما قد نتصور، إذ ترجع أول إشارة مسجلة إليه إلى عام 1854 في كتاب "والدن" لهنري ديفيد ثورو. لكنه عاد بقوة في العصر الرقمي، حتى اختارته جامعة أكسفورد "كلمة العام" في 2024، بعدما ارتفع استخدامه بنسبة 230% بين عامي 2023 و2024.
بالطبع، "تعفن الدماغ" ليس تشخيصًا طبيًا، ولا ينبغي التعامل معه كذلك، لكنه يعكس قلقًا حقيقيًا من تغير علاقتنا بالمعلومة والانتباه. كثيرون يعرفون هذا الشعور دون حاجة إلى تعريف، فعندما تبدأ في قراءة مقال طويل، ثم تجد يدك تمتد إلى الهاتف بعد دقائق، أو تفتح كتابًا، فتقاطعك رغبة في تفقد رسالة أو إشعار وصل إليك، أو تشاهد محاضرة، فتشعر بعد وقت قصير بأنك تريد تسريعها أو الانتقال إلى شيء آخر. أشياء كانت عادية في يوم ما أصبحت تحتاج إلى قدر من المقاومة لكي تستمر فيها.
واللافت أن الإنسان لم يكن في أي وقت مضى محاطًا بهذا القدر من المعرفة كما هو اليوم. فمكتبات كاملة يمكن للإنسان اليوم أن يحملها في هاتف صغير في جيبه، ومحاضرات ودوريات وكتب ومتاحف وأرشيفات لا تحتاج سوى ضغطة واحدة للوصول إليها. ومع ذلك، فإن وفرة المعرفة لا تعني بالضرورة أننا أصبحنا أقدر على التعمق فيها.
أصبحت ألاحظ كيف يتنافس المحتوى القصير على ثوانٍ من انتباهنا. مقطع ينتهي ليبدأ آخر، وصورة تزيحها صورة جديدة، وخبر يقود إلى خبر. وهكذا يمكن أن تمر ساعة كاملة بينما انتقلنا بين عشرات الموضوعات دون أن نتوقف طويلًا عند واحد منها. المشكلة هنا ليست في أن نشاهد مقطعًا قصيرًا أو نتصفح منصة اجتماعية، وإنما في أن يصبح هذا الإيقاع هو الطريقة التي نستهلك بها كل شيء، حتى ما يحتاج بطبيعته إلى صبر وتركيز.
وهذه المخاوف لم تعد مجرد انطباعات شخصية. ففي نتائج برنامج التقييم الدولي للطلاب “PISA 2022”، أفاد نحو 30% من الطلاب في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأنهم يتشتتون بسبب استخدام الأجهزة الرقمية في معظم أو كل حصص الرياضيات، بينما قال نحو ربع الطلاب إن استخدام زملائهم للأجهزة يشتت انتباههم أيضًا. ووجدت المنظمة أن الطلاب الذين أفادوا بتعرضهم لهذا النوع من التشتيت سجلوا، في المتوسط، نتائج أقل بـ15 نقطة في الرياضيات مقارنة بمن قالوا إن ذلك لا يحدث لهم أو يكاد لا يحدث، حتى بعد أخذ الخلفية الاجتماعية والاقتصادية للطلاب والمدارس في الاعتبار.
لا تثبت هذه الأرقام بالطبع أن الهاتف وحده مسؤول عن تراجع التركيز أو التحصيل، ولا أن التكنولوجيا عدو للتعلم. بل إن البيانات نفسها تشير إلى أن الاستخدام المعتدل للأجهزة الرقمية في الأغراض التعليمية قد يرتبط بنتائج أفضل. القضية إذن ليست وجود الشاشة، بل ماذا نفعل أمامها، وكم من الوقت نعطيها، وهل نستخدمها نحن أم أنها تستحوذ على انتباهنا دون أن نشعر؟
والمسألة أكبر من ضياع بعض الوقت. فهناك نوع من المعرفة لا يصلح له إيقاع "مرر إلى التالي". الأفكار الكبرى والقضايا المركبة لا يمكن فهمها من مقطع مدته ثلاثون ثانية، كما أن تكوين الرأي لا يحدث من عنوان عابر أو جملة مبتورة من سياقها. نحن نحتاج إلى القراءة والمقارنة والشك والسؤال والعودة إلى المصادر. وحين تضعف هذه العادات، يصبح الإنسان أكثر قابلية للاكتفاء بالإجابة الأسرع، وربما الأكثر إثارة، لا الإجابة الأدق.
وهنا تصبح القراءة قضية تتجاوز الكتاب نفسه. فهي تدريب على البقاء مع فكرة واحدة مدة أطول، وعلى متابعة الحجة من بدايتها إلى نهايتها، وعلى احتمال شيء من البطء في عالم يريد كل شيء فورًا.
ولعل تجربة سنغافورة تقدم مثالًا لافتًا في هذا السياق. ففي سبتمبر 2026 أطلقت هيئة المكتبات الوطنية مبادرة “ReadSG”، وهي مبادرة وطنية تمتد لخمس سنوات وتسعى إلى جعل القراءة عادة يومية مستدامة، بداية من خمس عشرة دقيقة فقط في اليوم. ولم تأت المبادرة من فراغ؛ فدراسة وطنية لعادات القراءة في سنغافورة عام 2024، شملت 3725 شخصًا من السكان البالغين، أظهرت أن 89% يقرؤون مواد مختلفة أكثر من مرة أسبوعيًا، لكن نسبة من يقرؤون الكتب بهذه الوتيرة لم تتجاوز 28%.
الفارق بين الرقمين يقول شيئًا مهمًّا: نحن لم نتوقف عن القراءة تمامًا، لكن ما نقرؤه وطريقة قراءتنا يتغيران.
ولهذا تحاول المبادرة السنغافورية ألا تطلب من الناس العودة فجأة إلى قراءة مئات الصفحات، وإنما تبدأ بربع ساعة. خمسة عشر دقيقة بعيدًا عن التمرير المتواصل والإشعارات، يمكن أن تصبح مع الوقت مساحة يستعيد فيها الإنسان قدرته على البقاء مع نص واحد وفكرة واحدة.
ولا يعني هذا كله إعلان الحرب على التكنولوجيا، ولا الحنين إلى زمن ما قبل الإنترنت. سيكون ذلك تبسيطًا للمشكلة، فالهاتف الذي يشتت انتباهنا هو نفسه الذي يمكن أن يضع بين أيدينا كتابًا لم يكن الوصول إليه ممكنًا قبل سنوات، والإنترنت الذي يغرقنا بالمحتوى العابر هو أيضًا أكبر نافذة عرفها الإنسان للوصول إلى المعرفة.
المطلوب إذن ليس أن نهجر الشاشات، بل ألا نسمح لها بأن تعيد تشكيل علاقتنا بالمعرفة دون أن ننتبه.
ربما يكفي أن نستعيد بعض العادات الصغيرة، مثل أن نقرأ دون هاتف إلى جوارنا، وأن ننهي فصلًا قبل أن نستجيب لإشعار وصلنا من إحدى منصات التواصل، وأن نقاوم أحيانًا إغراء الملخص حين يكون الأصل في متناولنا. ليس لأن القراءة الطويلة فضيلة في ذاتها، ولا لأن كل ما هو قصير سطحي، وإنما لأن العقل يحتاج أحيانًا إلى وقت حتى يفهم، ويربط، ويسأل، ويغير رأيه.
العالم لن يصبح أبطأ من أجلنا. وربما تصبح المنافسة على انتباهنا أشد في السنوات المقبلة. ولهذا فإن حماية قدرتنا على التركيز لن تكون ترفًا ثقافيًّا، بل مهارة علينا أن نتعلم كيف نحافظ عليها.
فالعقول لا تبنى بالومضات وحدها. بعض الأفكار تحتاج إلى أن نبقى معها قليلًا، نصارعها وتصارعنا، قبل أن تستقر في عقولنا معرفة أو تتحول إلى موقف.