سر لا تعرفه.. لماذا ينجذب البعوض إلى أشخاص دون غيرهم؟
هل يترك البعوض بعض الأشخاص من دون لدغات تقريبًا، فيما يبدو أنه يلاحق آخرين أينما ذهبوا؟، تشير دراسة جديدة إلى أن هذا الاختلاف قد لا يكون مجرد مصادفة، وأنه يرتبط بتفاعل معقد بين رائحة البشرة والميكروبات التي تعيش على سطحها.
ووجد باحثون من جامعة فلوريدا الدولية في ميامي أن البعوض لا ينجذب بالضرورة إلى «رائحة بشرية» واحدة مشتركة، إذ يبدو أن لكل نوع تفضيلاته الخاصة. فقد يكون شخص ما شديد الجاذبية لنوع معين من البعوض، لكنه لا يكون الهدف المفضل لنوع آخر.
ونُشرت الدراسة في دورية «iScience» في أغسطس 2026، بعد أن اختبر الباحثون استجابة ثلاثة أنواع من البعوض تجاه 119 متطوعًا، وقارنوا النتائج بتحليل روائح الجلد والمجتمعات البكتيرية الموجودة عليه.
تجربة لقياس انجذاب البعوض إلى الروائح
استخدم فريق البحث، بقيادة عالم الجينات العصبية ماثيو ديجينارو، جهازًا يُعرف باسم «مقياس الشم» (Olfactometer)، لقياس انجذاب البعوض إلى رائحة الشخص من دون تعريض المشاركين للدغ.
وشملت التجربة بعوضة الحمى الصفراء «Aedes aegypti»، وبعوضة النمر الآسيوية «Aedes albopictus»، وبعوضة «Culex quinquefasciatus»، المعروفة باسم البعوضة المنزلية الجنوبية.
وضع المشاركون أذرعهم داخل الجهاز، فيما أطلق الباحثون البعوض في الجهة المقابلة وسجلوا أعداد الحشرات التي تحركت باتجاه الرائحة. وفصلت شبكة بين أذرع المشاركين والبعوض، لذلك لم يتعرض أي منهم للدغ خلال التجارب.
ولتعزيز دقة المقارنة، جمع الباحثون عينات من روائح جلد المشاركين ومسحات من البشرة لتحليل الميكروبات الموجودة عليها، ثم قارنوا سلوك البعوض بالتركيب الكيميائي والميكروبي للجلد.
لا يوجد شخص يجذب جميع الأنواع
من أبرز نتائج الدراسة أن أنواع البعوض الثلاثة لم تتفق على الأشخاص الأكثر جاذبية لها. وكان الباحثون يتوقعون أن يجدوا أشخاصًا ينجذب إليهم البعوض بدرجة مرتفعة بصرف النظر عن نوعه، لكن النتائج لم تدعم ذلك؛ إذ لم يكن أي من المتطوعين الـ119 جذابًا للأنواع الثلاثة في الوقت نفسه.
وتشير النتيجة إلى أن التعرض للدغات قد يرتبط جزئيًا بنوع البعوض الموجود في البيئة، إلى جانب خصائص الشخص نفسه. كما توضح أن أنواع البعوض قد تستخدم آليات مختلفة للتعرف إلى الإنسان والعثور على مضيف مناسب للحصول على وجبة دم.
رائحة الجلد مزيج من مركبات متعددة
يعتمد البعوض على مجموعة من الإشارات للعثور على الإنسان، وتعد رائحة الجسم من أهمها. لكنها ليست مركبًا كيميائيًا واحدًا، بل خليط معقد من المركبات المتطايرة الناتجة عن تفاعل إفرازات الجلد مع الميكروبات الموجودة على سطحه.
وتشير الدراسة إلى أن جلد الإنسان قد يحمل أكثر من ألف مركب عضوي متطاير، ما يجعل تحديد أسباب انجذاب البعوض إلى شخص بعينه مهمة معقدة.
وأظهرت النتائج أن انجذاب «Aedes aegypti» و«Culex quinquefasciatus» ارتبط بمستويات أقل من بعض المركبات ذات الرائحة، بينما اتبع «Aedes albopictus» نمطًا مختلفًا، إذ ارتبط انجذابه بوجود مركبات معينة، من بينها الكيتونات.
كما أظهرت بعوضة الحمى الصفراء ميلًا طفيفًا إلى الذكور مقارنة بالإناث، في حين لم يظهر النوعان الآخران تفضيلًا مماثلًا على أساس الجنس. ولا تثبت الدراسة أن الجنس بحد ذاته سبب هذا الاختلاف، إذ قد تتداخل عوامل عديدة في رائحة الجلد وتركيبه الميكروبي.
ميكروبات الجلد جزء من الصورة
إلى جانب تحليل الروائح، درس الباحثون الميكروبيوم الجلدي، أي مجموعة الكائنات الدقيقة التي تعيش بصورة طبيعية على سطح الجلد. ووجدوا اختلافات كبيرة في تركيب هذه المجتمعات بين المشاركين، كما رصدوا ارتباطًا بين أنواع معينة من البكتيريا ودرجات مختلفة من انجذاب البعوض.
ومن بين الأنواع التي ظهرت في مجموعة الأشخاص الأكثر جذبًا للأنواع الثلاثة بكتيريا «Corynebacterium kefirresidentii»، إضافة إلى «Cutibacterium granulosum» و«Staphylococcus epidermidis» في التحليلات المشتركة.
لكن وجود هذه البكتيريا لا يعني أنها وحدها تجعل الإنسان أكثر جذبًا للبعوض. فقد رصدت الدراسة ارتباطات بين الميكروبات والجاذبية، لكنها لم تثبت أن إضافة نوع معين من البكتيريا إلى الجلد ستؤدي بالضرورة إلى زيادة اللدغات. كما اختلفت استجابة أنواع البعوض للبكتيريا من نوع إلى آخر.
نتائج قد تساعد في تطوير وسائل جديدة للمكافحة
لا تقتصر أهمية النتائج على تفسير سبب تعرض بعض الأشخاص للدغات أكثر من غيرهم؛ فالبعوض ينقل أمراضًا عدة، منها حمى الضنك والحمى الصفراء وفيروس غرب النيل. وقد يساعد فهم الطريقة التي يتعرف بها إلى الإنسان مستقبلًا في تطوير وسائل للتعامل مع الإشارات الكيميائية التي يعتمد عليها.
ويرى فريق جامعة فلوريدا الدولية أن تحديد الروائح والميكروبات التي تجعل الإنسان أكثر أو أقل جاذبية للبعوض قد يفتح المجال أمام تطوير مواد طاردة أو وسائل «تمويه» للرائحة تعتمد على الميكروبيوم، بما قد يصعّب على الحشرة التعرف إلى الإشارات التي تقودها إلى الإنسان.
هل يمكن تغيير رائحة الجلد لتجنب اللدغات؟
لا تقدم الدراسة وصفة عملية لتغيير الميكروبيوم أو تجنب لدغات البعوض، ولا تثبت أن استخدام منتج معين أو القضاء على بكتيريا محددة سيجعل الشخص أقل جذبًا للحشرات، لكنها توضح أن العلاقة بين الإنسان والبعوض أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد، وأن لكل نوع من البعوض تقريبًا مجموعة مختلفة من الإشارات التي يعتمد عليها في اختيار مضيفه.



