كرم جبر يكتب: الصحافة الإلكترونية داخل نقابة الصحفيين لا خارجها
لا أنسى ذلك اليوم ، السبت ١٠ يونيو ١٩٩٥،العاشرة صباحًا، انشقت الشوارع المؤدية إلى نقابة الصحفيين عن أفواج وأفواج من الصحفيين، الذين جاءوا إلى نقابتهم للدفاع عنها، في مواجهة القانون "٩٣"،المزمع إصداره، ويهدد حرية الصحافة والصحفيين.
من مختلف الأعمار والمناصب، اجتمع الجميع لمواجهة التحدى الكبير، ولأول مرة، وقف رؤساء المؤسسات ورؤساء التحرير جنبًا إلى جنب مع شباب الصحفيين ،لا حكومة ولا معارضة، بل رموز وطنية، فى جبهة واحدة، لا تفرق بين انتماء أو توجه.
أذكر ذلك بالتزامن مع النقاش الدائر الآن، حول إنشاء كيان للصحافة الإلكترونية، ورغم انقسام الآراء حول التفاصيل، ويتفق الجميع على ضرورة الحفاظ على كيان النقابة ووحدتها ،بصفتها "المظلة الشرعية" لكافة الصحفيين.
وتكمن المشكلة في زملاء يعملون فى المواقع الإلكترونية، دون مظلة قانونية توفر لهم الحماية وتقدم لهم الخدمات، على غرار أعضاء النقابة.
وبداية،حق الزملاء محررى المواقع فى تنظيم نقابى، أمرًا لا يقبل التشكيك، غير أن هذا الكيان يجب أن يكون من "رحم النقابة نفسها" لا من خارجها،ولتكن النواة الأولى تأسيس شعبة لمحررى المواقع، يخضع تنظيمها لنفس الشروط والضوابط المطبقة على المؤسسات الصحفية.
وأول هذه الشروط الحصول على ترخيص من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وبالمناسبة، فإن جميع المؤسسات، بما فيها المؤسسات القومية الكبرى، أعادت الحصول على هذا الترخيص منذ أربع سنوات، والكل أمام القانون سواء.
ولا أعتقد أن قانون النقابة يحظر قيد محرري المواقع، والدليل أن النقابة تسمح بقيد محررى المواقع التي تمتلك مؤسساتها إصدارًا ورقيًا، حتى لو لم يكونوا من العاملين في الإصدار الورقى.
ثم إن التفرقة بين الصحفيين الورقيين وزملائهم العاملين في الصحافة الإلكترونية تبدو مضحكة وباطلة.. مضحكة لأننا جميعًا صحفيون إلكترونيون في جانب كبير من عملنا، ونستخدم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى، وباطلة لأن المساواة العادلة تقتضى عدم التفرقة بين أبناء المهنة الواحدة.
وقانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم ١٨٠لسنة ٢٠١٨،اعترف صراحةً بالمواقع الإلكترونية الصحفية، ونص على أن يكون للموقع الإلكترونى رئيس تحرير ومحررين مسؤولون، واشترط أن يكون رئيس التحرير والمحررين المسؤولين مقيدين بجدول المشتغلين بنقابة الصحفيين.
والنقطة المهمة أن القيد لا يعنى أن أى شخص يكتب في موقع إلكترونى، يصبح مؤهلًا تلقائيًا للانضمام إلى النقابة، والشروط والأوراق المطلوبة، وطبيعة الموقع وترخيصه، وإثبات ممارسة المهنة، تخضع للائحة القيد وقرارات مجلس النقابة.
يجب ان تظل نقابة الصحفيين الكيان الشرعى لكل أبناء المهنة، بيتاً نحتفى بتاريخه المشرف، وتتجلى عظمته كل عامين، حين يتحول السرادق المقام بشارع عبد الخالق ثروت إلى ملحمة ديمقراطية ،ومهرجان استثنائى لحرية الكلمة.
ولا يجب أن تضيع هذه المعانى النبيلة فى تراشق بين فريقين يؤمنان تمامًا بأهمية الحفاظ على نقابتهم ،وإن اختلفت وسائل التعبير عن هذا الانتماء.