لعل بداية الحياة النيابية في مصر سنة ١٨٦٦ وما بعدها من تطورات أسفرت عن تجارب سياسية مختلفة وتحولات جذرية ترتب عليها تغيير طبيعة "النخبة الفاعلة " مما فرض ضرورة في بعض الأحيان تستوجب وضع ثوابت للعمل السياسي مع وضع في الإعتبار أن لا إستقامة للحياة السياسية دون كيانات حزبية .
وبقدر ما مر علي مصر من تحولات كبري في شكل النظام السياسي من الملكية وسيطرة المحتل علي أحزاب تلك المرحلة إلي الجمهورية الأولي وجلاء المحتل الإنجليزي عن مصر ومن "الإنفلات" أثناء أحداث يناير ثم هيمنة التيارات المتطرفة علي نظام الحكم في مصر وعلي الحياة السياسية ككل إلي دولة ٣٠ يونيو وإعلان الجمهورية الجديدة ففي كل تلك المراحل وما قبلها منذ ١٩١٩ وصولاً إلي ٣٠ يونيو ٢٠١٣ كان هناك إرتباط وثيق بين شكل النظام السياسي في مصر و" بوصلة " الحياة الحزبية وأولوياتها ففي كل مرحلة تم إعادة صياغة الأحزاب وتقديمها بشكل يتلائم مع إيدلوجيات النظام السياسي وأوليات تلك المرحلة فقد كانت الأحزاب السياسية في بعض الحقب الزمنية هي المسؤول الأول عن تشكيل الوعي الجمعي السياسي للمجتمع من خلال تنشئة سياسية تحمل هموم وقضايا الوطن والمجتمع .
ومع إعلان الجمهورية الجديدة تبنت الأحزاب التي تنحاز وتدعم رؤية الدولة المصرية أهداف النظام السياسي الذي جاء وفق رغبات وتلبية لنداءات الشعب المصري بإنتخاب
"رئيس لكل المصريين "والذي بدورة تبني وأخذ علي عاتقه بمنطق رشيد وتوجه واعي ضرورة تحصين المواطن المصري ضد أي هجمات مرتدة من الجماعات المتطرفة من خلال الدعوة للمشاركة الإيجابية في الحياة السياسية بشكل صحي وبصفة مستديمة لإعلاء مصلحة الوطن والمواطن المصري من خلال تحقيق مبدأ التوافق بين الأحزاب القوي السياسية الوطنية .
إن جوهر التوافق السياسي يفرض إجتماع للقوي السياسية من خلال تفاهمات تبني مساحات مشتركة من شأنها تدفع عجلة العمل المشترك في كثير من الأحيان لتحقيق متطلبات المصلحة العامة في ظل وجود أهداف ومحددات تؤكد علي ضرورة الحرص علي ثوابت الأمن القومي بإعتبارها مصلحة عامة لا مؤامة فيها ولا تفاوض وليس وفق محددات فصيل سياسي بعينة تنصب في تحقيق مصالحة المحدودة فيمكن أن نعتبر أن التوافق السياسي هو الإطار القادر علي ضبط إيقاع الحياة السياسية مع إحتفاظ كل طرف بالإيدلوجية التي يتبناها مؤيدية والمنتمين إليه وعلي النقيض دائماً ما يترتب علي غياب التوافق السياسي صراع وخلافات بين القوي السياسية يسفر عن مشهد سياسي لا ينصب في الصالح العام فكل خلل يصيب مستوي من مستويات التوافق الثلاث يترتب عليه توابع تعد نتيجة طبيعية لإنسداد القنوات الشرعية تصل إلي وقوع أزمة سياسية فدائماً ما تسعي الأحزاب الكبري ذات القواعد الشعبية والهيئات البرلمانية إلي إيجاد حلول إيجابية وتعطي أولوية قصوى لإستقرار المشهد السياسي وتحقيق الصالح العام للمجتمع كافة إنطلاقاً من مسؤوليتها الأدبية والسياسية أمام هيكلها التنظيمي وأمام المواطن الذي وضع ثقته في هيئتها البرلمانية وما تفرضة سياسات تلك الأحزاب من أولويات علي رأسها إستقرار الوطن وبقاء المواطن المصري آمن مع تحقيق القدرة علي تصدير مشهد سياسي منضبط قادر علي مجابهة تحريض الجماعة المحظورة داخلياً وإستعداء المجتمع الدولي ضد مصر خارجيا .
علي الرغم أن الخريطة الحزبية الراهنة يتجاوز فيها عدد الأحزاب المصرية ١٠٠ حزب إلا أن مازالت بعض الأحزاب تكتفي بما حصلت عليه من إعتراف بوجودها من الناحية القانونية دون السعي إلي جذب أعضاء والوصول إلى مرحلة التأييد الشعبي من المواطنين من خلال هيكل تنظيمي ممتد إلي أصغر وحدة حزبية للتمكن من تقديم خدمات حقيقية بصفة مستديمة لكافة المواطنين في أرجاء المحروسة علي المستوي المحلي وصولاً إلى المستوي الوطني وهو ما يجعل التجربة الحزبية تحتاج إلى إعادة نظر من حيث هذا الكم الهائل من الكيانات ذات الإعتراف " الأحادي" وهو الأعتراف القانوني فقط فهي أحزاب تفتقر إلى مقومات الأحزاب السياسية الفاعلة .
فلا تتعجب عزيزي القارئ عندما تعلم أن المواطن المصري المستهدف الأول لتلك الأحزاب لا يعلم من ذلك العدد سوي مالا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحد "بشكل متفاوت " من الأحزاب دائمة تقديم الخدمات والتي تملك هيكل تنظيمي ممتد إلي أصغر وحدة حزبية بأصغر قرية في ربوع مصر .
فمن دون هيكل تنظيمي دائم ممتد من المستوي المحلي " القاعدي " والذي يمنح الحزب جذور ممتدة في عمق المجتمعات وتقدم من خلالها الخدمات وصولاً إلى المستوي المركزي الوطني الذي يتشارك في صناعة السياسات ودون جهد مخلص لتقديم خدمات تليق بقيمة وطموح المواطن المصري ومتطلباته كيف لنا الإعتراف بتلك الكيانات كأحزاب سياسية فهي كيانات " غير مكتملة النمو " تحتاج إلى إعادة نظر فالوطن يستحق مشهد سياسي يليق بتاريخ سياسي ونيابي رائد وثري .