تفاصيل اختفاء 700 إيراني في لبنان.. تقارير تكشف مصيرهم ومهماتهم السرية
أثارت تقارير لبنانية حديثة تساؤلات بشأن مصير نحو 700 إيراني قالت إن أثرهم فُقد داخل لبنان بعد دخولهم البلاد منذ اندلاع الحرب بين إسرائيل وحزب الله عام 2024، وسط ترجيحات بأن عددًا منهم قُتل خلال مشاركته في العمليات إلى جانب الحزب.
وبحسب تقرير نشرته منصة «RED TV» اللبنانية، دخل نحو 1700 إيراني إلى الأراضي اللبنانية منذ بدء الحرب، قبل أن ينقطع أثر نحو 700 منهم لاحقًا. ونقلت المنصة عن معلومات وصفتها بأنها «خاصة وموثوقة» أن هناك ترجيحات بمقتل هؤلاء خلال مشاركتهم في الحرب، من دون تقديم تفاصيل حاسمة بشأن ظروف مقتلهم أو طبيعة المهام التي كانوا يؤدونها.
وتناول تقرير آخر نشرته «ليبانون ديبايت» الرقم نفسه، لكنه شدد على عدم وجود معطيات رسمية تحسم مصير هؤلاء أو تحدد طبيعة مهماتهم داخل لبنان، مشيرًا إلى أن المعلومات المتداولة تستند إلى تقارير ومصادر غير رسمية.
تدفق إيراني خلال الحرب
وتقول التقارير اللبنانية إن حركة دخول الإيرانيين إلى لبنان ازدادت خلال فترة الحرب، وإن بعض الوافدين دخلوا تحت مسميات متعددة، من بينها بعثات دبلوماسية وفرق إغاثة ومهام إنسانية وزيارات دينية ومرافقة وفود.
وتذهب الرواية الواردة في التقرير محل التداول إلى أن جزءًا من هؤلاء كان مرتبطًا بالمؤسسات العسكرية والأمنية الإيرانية، ولا سيما الحرس الثوري وفيلق القدس، وأن وجودهم ارتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالقدرات العسكرية التي يمتلكها حزب الله.
لكن المصادر المنشورة التي أمكن التحقق منها لا تقدم قائمة بأسماء هؤلاء الأشخاص، ولا سجلات رسمية تثبت أنهم جميعًا كانوا من العسكريين أو الخبراء الإيرانيين، كما لا تتوافر بيانات رسمية لبنانية تؤكد رقم 1700 أو أن 700 منهم قتلوا.
أين ذهب المفقودون؟
ويتمثل السؤال الرئيسي الذي تطرحه التقارير في مصير الأشخاص الذين انقطع أثرهم بعد دخولهم لبنان.
وبحسب الرواية التي نشرتها «RED TV»، فإن عدم ظهور معلومات لاحقة عن نحو 700 شخص من بين الإيرانيين الذين دخلوا البلاد يفتح تساؤلات بشأن ما إذا كانوا قد قتلوا خلال العمليات العسكرية، خصوصًا في ظل الضربات الإسرائيلية التي استهدفت مواقع تابعة لحزب الله خلال الحرب.
وتشير التقارير إلى أن بعض المواقع التي تعرضت للقصف كانت تضم مراكز قيادة واتصال ومنشآت عسكرية، وهو ما يجعل تحديد هوية القتلى في بعض الضربات أمرًا معقدًا، خصوصًا عندما تقع عمليات القصف داخل منشآت محصنة أو تحت الأرض.
غير أن عدم وجود سجلات علنية عن هؤلاء لا يكفي وحده لإثبات مقتلهم، إذ يمكن أن تكون هناك أسباب أخرى لانقطاع الاتصال أو مغادرة الأراضي اللبنانية من دون الإعلان عن ذلك.
حضور إيراني قديم في لبنان
ولا يمثل الوجود الإيراني المرتبط بحزب الله ظاهرة جديدة في لبنان، فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، لعبت إيران دورًا في تدريب وتسليح ودعم الحزب، مع إرسال عناصر من الحرس الثوري إلى لبنان بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، ولا سيما إلى منطقة البقاع، حيث ساهموا في بناء القدرات العسكرية والتنظيمية للحزب.
وخلال العقود التالية، تطورت العلاقة من التدريب والدعم العسكري إلى شبكة أوسع من التعاون شملت التمويل والتسليح وتطوير القدرات الصاروخية والاتصالات والتدريب.
وتؤكد مصادر وتقارير دولية منذ سنوات وجود دعم إيراني لحزب الله، فيما تصف طهران الحزب بأنه جزء من محور حلفائها في المنطقة.
الحرب تعيد طرح طبيعة الدور الإيراني
ومع تصاعد الحرب بين إسرائيل وحزب الله عام 2024، عادت الأسئلة بشأن حجم وطبيعة الوجود الإيراني المباشر في لبنان إلى الواجهة.
وشنت إسرائيل خلال الحرب ضربات واسعة على مواقع تابعة للحزب، واستهدفت قيادات ومنشآت عسكرية في بيروت وجنوب لبنان ومناطق أخرى.
وفي سبتمبر 2024، استهدفت غارة إسرائيلية مقرًا مركزيًا لحزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت، في هجوم قالت إسرائيل إنه استهدف القيادة العليا للحزب. وأفادت تقارير آنذاك بأن الضربة أدت إلى مقتل عدد من كبار القادة.
كما استهدفت الضربات الإسرائيلية مواقع مرتبطة بالبنية الصاروخية ومراكز القيادة والسيطرة التابعة للحزب، في إطار حملة عسكرية واسعة أدت إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى ونزوح أعداد كبيرة من اللبنانيين.
شبكة من الخبراء والضباط
وتقول الرواية اللبنانية المتداولة إن بعض الإيرانيين الذين دخلوا لبنان خلال الحرب لم يكونوا مقاتلين تقليديين، وإنما خبراء في مجالات عسكرية وتقنية، من بينها الطائرات المسيرة والصواريخ والاتصالات.
وبحسب هذا الطرح، فإن الضربات الإسرائيلية التي استهدفت البنية القيادية والعسكرية لحزب الله دفعت إيران إلى تعزيز وجود مستشاريها وخبرائها للمساعدة في إعادة تنظيم بعض القدرات العسكرية للحزب.
وتشير الرواية نفسها إلى أن بعض هؤلاء الخبراء ربما كانوا يعملون في غرف عمليات ومواقع محصنة، الأمر الذي قد يصعّب تحديد مصيرهم في حال تعرض تلك المنشآت للقصف.
لكن هذه التفاصيل لا تزال في إطار المعلومات التي تنقلها مصادر وتقارير لبنانية، ولم تُدعَم، حتى الآن، بكشوفات رسمية منشورة تتضمن أسماء المفقودين أو رتبهم أو وحداتهم العسكرية.
نقل الجثامين عبر سوريا
ومن بين الادعاءات الواردة في المادة المتداولة أن حزب الله كان يعزل جثامين الإيرانيين عن سجلات الضحايا اللبنانيين، ثم ينقلها عبر طرق برية باتجاه سوريا، ومنها إلى إيران.
وتربط الرواية ذلك بالرغبة في عدم الكشف عن حجم الوجود العسكري الإيراني داخل لبنان، وتجنب منح إسرائيل أدلة إضافية على المشاركة الإيرانية المباشرة في العمليات.
غير أن هذه الجزئية تحديدًا لم تتوافر بشأنها، في المصادر التي أمكن التحقق منها، وثائق رسمية أو بيانات مستقلة تؤكد عمليات نقل جثامين بهذا الحجم.
إعادة تنظيم حزب الله
وتتحدث الرواية أيضًا عن تغيرات في الهيكل العسكري لحزب الله بعد الضربات التي استهدفت قياداته خلال الحرب، وانتقال بعض الوحدات من الاعتماد على قيادة مركزية إلى تشكيلات أكثر استقلالًا يمكنها مواصلة العمليات في حال انقطاع الاتصال بالقيادة العليا.
وتصف المادة هذا النمط بأنه قريب مما يعرف عسكريًا بـ«دفاع الموزاييك»، أي توزيع القدرات القتالية على خلايا أو وحدات مستقلة نسبيًا لتقليل تأثير استهداف مركز القيادة.
وفي هذا السياق، تطرح التقارير احتمال وجود مستشارين أو ضباط ارتباط إيرانيين للمساعدة في التنسيق بين الوحدات المختلفة، إلا أن حجم هذا الوجود وطبيعته الدقيقة لا يزالان غير معلنين رسميًا.
ضغوط على الحكومة اللبنانية
وتأتي هذه المعلومات في وقت تواجه فيه الحكومة اللبنانية ضغوطًا متزايدة بشأن حصر قرار الحرب والسلاح بيد الدولة، وسط خلافات مستمرة حول دور حزب الله وعلاقته بإيران.
وتقول المادة المتداولة إن الحكومة اللبنانية برئاسة نواف سلام سعت إلى الحد من النشاط العسكري الإيراني غير المعلن، وطالبت طهران بضبط حركة عناصرها، خصوصًا الأشخاص الذين يتجاوز نشاطهم العمل الدبلوماسي.
لكن قدرة الحكومة اللبنانية على فرض رقابة كاملة على جميع تحركات حزب الله وشبكاته تبقى موضع جدل، في ظل امتلاك الحزب بنية تنظيمية وأمنية وعسكرية واسعة داخل البلاد.
لغز لم يُحسم
ويضع رقم 700، إذا صحت التقديرات الواردة في التقارير اللبنانية، علامة استفهام كبيرة حول طبيعة وحجم المشاركة الإيرانية البشرية في الحرب داخل لبنان.
لكن المعطيات المنشورة حتى الآن لا تسمح بحسم مصير هؤلاء الأشخاص أو القول إنهم قتلوا جميعًا خلال القتال، فالمصادر اللبنانية التي نشرت الرقم تتحدث عن فقدان أثرهم وترجيحات بمقتل عدد كبير منهم، لكنها لا تقدم سجلًا رسميًا بأسماء القتلى أو المفقودين، ولا توثيقًا مستقلًا يثبت أن جميعهم كانوا عناصر عسكرية أو خبراء تابعين للحرس الثوري الإيراني.



