هل معظم البشر مخادعون ؟ وهل المخادعون يتقنون فى خداع الضعفاء من الناس وعديمي الحيلة أم أنهم يخدعون الكل وبدون رحمة أو شفقة !!
هذه العبارة بل قل هذا الاستنتاج و الناتج فرض نفسه فرضا عندما إنتهيت من قراءة كتاب لرجل روسى عاش فى مصر فترة طويلة وانصهر مع شعبها وجمع الكثير من المعلومات والوقاىع التى عايشها إبان فترة وجوده والتى امتدت لأكثر من ربع قرن فى مصر منذ مطلع الخمسينات وحتى الثمانينيات . هذا الرجل كان يعمل مترجما. فوريا فى السفارة الروسية وكان من بين ماذكره واقعة غريبة عاشها خلال زيارة الرئيس الروسى الراحل جورباتشوف لبلادنا مصر فى عيد العمال خلال الانصهار المصرى الروسى وتوهج العلاقات المصرية الروسية وبلوغها أقصى درجات التفاهم والتعاون على كافة الأصعدة والتوجهات ، يقول المترجم أن جورباتشوف أعجبه واحد من هؤلاء العمال ولاحظ أنه على الفيض الكريم فمنحه سيارة وشقة وطلب من المرافقين له تنفيذ ماطلبه . وبعد عام من هذه الزيارة تمت دعوة جورباتشوف مرة أخرى للاحتفال مع القيادة المصرية حينذاك بعيد العمال المقدس وقتها والذى كان بمثابة اشادة وتعظيم من القيادة السياسية للعامل وتقديرا للدور العظيم الذى يقوم به من اجل بناء مصر بعد سنوات من الاحتلال والتكالب الامريكو صهيونى عليها ، جورباتشوف تفقد المصنع واشاد بالجهود المصرية وثمن التعاون الروسى ووصفه بالبناء الناجز ، وأثناء عملية التفقد وقعت عين الرئيس الروسى على عامل فاقترب منه ويبدو أن حال العامل كان مثيرا للشفقة فقال له الرئيس الروسى : يبدو أن أحوالك ليست على مايرام ولذا فقد طالبت فورا بأن تمنح بيتا تستقر فيه وتهنأ وسيارة كى تأتى بها من البيت الجديد إلى المصنع وتساعدك فى اتمام وظائفك اليومية والحياتية .. حينها لم يتحمل العامل هذا الكلام وقال له وكله حزن وأسى : ياريس أنا نفس العامل بتاع السنه اللى فاتت واللى طلبت له شقه وسياره ومخدتش حاجه … صار جورباتشوف وطلب من رفقته توضيح الأمر فقالوا له : منحناه سياره وشقه وهاهى صوره فى جريدة البرافدا الروسية وهو فى شقته ويركب سيارته .. بعدما انتهوا من كلامهم ومن عرض صور العامل على الرئيس إلتفت إليه جورباتشوف وقال له : لقد منحوك سيارة وشقة ولكنك لم تتابع ولم تقرأ صحيفة البرافذا .. المترجم صاغ هذه الواقعة ومن بعدها قال كلماته الساخرة بأن المخادعون قادرين على الخروج من كافة المواقف بكل سهولة ويسر فرئيسه شارك فى الخداع واكتفى بإقناع نفسه بان العامل قد أخذ ماطالب به الرئيس ولكنه لم يقرأ الصحيفة الروسية ، والمشاركون وهم أيضا مخادعون صمتوا ولم يذكروا الحقيقة والواقع بأن الرئيس كان يريد اللقطة ولحظية الموقف وبأن كل من كان هناك حينها مخادع بصورة أو بأخرى .. الخداع لايقتصر على المواقف الرئاسية والمناسبات الدبلوماسية بل أنه يمتد وينتشر ويتغلغل فى كافة مناحى الحياة ويجد صورا له فى أسرة يخدع رب العائلة زوجته ويظهر له عكس مايبطنه، وزوجة هى الأخرى ترد نفس المعاملة بطريقتها وحسبما تريد وترى وتتفنن ، والخداع يصل الى الأولاد ويمارسوه خفية وعلنا بطرق مدروسة وتتناسب مع المواقف والحاجة والطلب . الخداع فى الأسواق بين البائع المزايد فى السعر والمغالى فيه والمخادع فيما يبيعه من إصناف انتهت صلاحيتها أو اوشكت .. الخداع فى المدارس بين المدرسي والهيئة التعليمية والتلاميذ وأولياء الأمور كل حسب دوره والفائدة العائدة منه والوسيلة المناسبة لخداعه . المخادعون يشبهون الفيروسات التى تتكاثر وتنمو وتنتشر وتخترق كافة الأجواء مهما قمت من عمليات تحصين ودفاع . المخادعون هم سلالة قابيل الذى قتل أخيه بدم بارد من أجل أمرأة ، وهم من سلالة زوجة لوط ونوح اللتين خانتا النبيين من أجل متاع زائل وزهوة منتهية .. المخادعون لن ينتهوا ولن يتراجعوا عما يفعلونه لأنهم ببساطة لهم جمهورهم الذى يصدقهم ولديه طمع جعله لقمة سائغة فى فم المخادع …