يا سيدي.. إن مصر لم تكن قط مجرد رقعة جغرافية عابرة على خريطة التاريخ، بل هي صانعة التاريخ ونابض قلبه، وفي هذه الأيام التي يغلي فيها الشرق الأوسط كمرجل كبير تتقاذفه أمواج الفوضى العارمة والحروب المشتعلة من كل حدب وصوب، تبدو المحروسة كواحة أمان راسخة وسط طوفان هادر، وكأن العناية الإلهية أرادت لها أن تكون هي "رمانة الميزان" التي تحفظ الاتزان الاستراتيجي للمنطقة برمتها كي لا تميل كفة الاستقرار إلى هاوية اللاسلم واللامان.
وما أروع أن نرى هذه البوصلة المصرية تضبط اتجاهاتها بدقة بالغة وحكمة منقطعة النظير تحت قيادة واعية ومتبصرة لفخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي أثبتت الأيام والأحداث المتلاحقة أن رؤيته السياسية قائمة على قراءة عميقة للمتغيرات الدولية والإقليمية، وأن قرارات مصر لم تكن يوماً انفعالية أو ردود أفعال عابرة، بل هي نبع من اتزان سياسي رفيع المستوى، يزن الأمور بميزان الذهب، ويضع مصلحة الوطن والأمن القومي فوق كل اعتبار، فلا ينجرف إلى مغامرات غير محسوبة، ولا يتخلى عن دوره التاريخي في نصرة القضايا العادلة وحق الشعوب في الاستقرار والبناء.
لقد نجحت الدبلوماسية المصرية في أن تكون صوتاً للعقل والحكمة، ومرجعاً رئيسياً لكل من تبحث عن طوق نجاة في بحر متلاطم الأمواج، تدعو دوماً للسلام العادل والشامل، وترفض التدخل في شؤون الدول، وتؤكد على لسان قيادتها أن قوة مصر هي قوة لأمتها العربية وأن أمنها خط أحمر لا يمكن تجاوزه.
ولكن.. هل كان لهذا الدور الكبير أن يثمر ويؤتي ثماره لولا هذا التلاحم العظيم والوعي الواعي من الشعب المصري العظيم؟ إن الجبهة الداخلية المتماسكة والصلبة هي السور الحقيقي والدرع الواقي الذي تكسرت عليه كل محاولات التشكيك والوقيعة، ومصر اليوم بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى أن نكون جميعاً على قلب رجل واحد، ندرك حجم التحديات الجسام الماثلة أمامنا، ونعي أن تماسك نسيجنا المجتمعي هو السلاح الأبقى في مواجهة حروب الشائعات والفتن التي تستهدف زعزعة الثقة وبث اليأس في النفوس.
فالشعوب الواعية هي التي تعرف كيف تقف خلف قيادتها ومؤسساتها الوطنية في أوقات المحن والمنعطفات التاريخية، مدركةً أن قوة الدولة من قوة مواطنيها، وأن الحفاظ على هذا الوطن واستقراره هو الغاية القصوى التي يجب أن تتوحد حولها كل الجهود والنيات.
ومن هنا تأتي المسؤولية الكبرى الملقاة على عاتق الحكومة التي تقع عليها مهمة دقيقة وحيوية في إدارة شؤون البلاد الاقتصادية بحنكة ومهارة، فضبط القرارات وتوقيت إصدارها بدقة متناهية هما صمام الأمان الحقيقي لضمان عدم حدوث أي خلل اقتصادي قد يؤثر بشكل مباشر على الحياة اليومية للمواطن البسيط الذي يتحمل بصبر ووطنية ضريبة الإصلاحات والتحديات الكبرى.
إن المواطن المصري هو البطل الحقيقي في هذه الملحمة، وتخفيف أعبائه وتحسين مستوى معيشته يجب أن يظل الغاية التي تتوجه إليها كل السياسات والبرامج الحكومية، بحيث تكون القرارات الاقتصادية مدروسة بعناية فائقة وتصدر في التوقيت المناسب تماماً، لتفادي أي آثار جانبية قد تمس قوت اليوم أو تنعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي.
فحين تتناغم قرارات الحكومة مع نبض الشارع ومعطيات الواقع الإقليمي والدولي، فإنها تحقق المعادلة الصعبة في حماية الاقتصاد الوطني وصيانة مقدرات المواطنين معا.
إننا أمام مرحلة دقيقة تتطلب منا جميعاً قيادةً وشعباً وحكومةً أن نظل على أعلى درجات اليقظة والوعي، فمصر التي عبرت الصعاب عبر آلاف السنين قادرة اليوم بفضل الله وبفضل سواعد أبنائها المخلصين ووعيهم المستنير وحكمة قيادتها على العبور إلى بر الأمان، لتظل دائماً هي النبراس الذي يضيء ظلمات الإقليم، والقلب النابض للعروبة والإنسانية، فلنحافظ على وحدتنا، ولنكن عوناً لوطننا، ولنعمل معاً بيد واحدة وعزيمة لا تلين من أجل بناء غد مشرق يليق بعظمة مصر ومكانتها التاريخية الخالدة.