عندما نتحدث عن مصر في عام 2030، فنحن لا نتحدث عن تاريخ بعيد بقدر ما نتحدث عن سنوات بدأت ملامحها تتشكل بالفعل. خلال السنوات الماضية شهدت البلاد توسعًا كبيرًا في مشروعات البنية الأساسية، وإنشاء مدن جديدة، وتطوير شبكات الطرق والنقل والطاقة والاتصالات.
قد تختلف الآراء حول أولويات هذه المشروعات وتكاليفها وأثرها، لكن المؤكد أن مصر تغيرت في بعض جوانبها خلال السنوات الأخيرة، وأن السؤال الآن لم يعد فقط: ماذا سنبني؟ وإنما: ماذا سنفعل بما بنيناه؟
وهنا تبدأ القضية الأكثر أهمية.من المشروعات إلى النتائج
لا شك أن تطوير البنية الأساسية يمثل عنصرًا مهمًا لأي اقتصاد يريد أن ينمو. فالطرق والموانئ وشبكات النقل والطاقة والمدن الجديدة يمكن أن تهيئ بيئة أفضل للاستثمار والإنتاج.
لكن المشروعات، في النهاية، ليست غاية في حد ذاتها.
قيمتها الحقيقية تظهر عندما تتحول إلى مصانع تعمل، واستثمارات منتجة، وفرص عمل، وخدمات أفضل، وحياة أكثر سهولة للمواطن.
ولهذا فإن السنوات المقبلة ستكون اختبارًا لقدرة الاقتصاد المصري على الاستفادة من الاستثمارات والمشروعات التي تم تنفيذها، وتحويلها إلى قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة.
ربما يكون السؤال الأكثر حضورًا عند الحديث عن مصر 2030: هو هل سيشعر المواطن العادي بالفرق؟
فالمواطن لا يتابع مؤشرات الاقتصاد فقط، وإنما يتعامل يوميًا مع أسعار السلع، وتكاليف السكن، والمواصلات، والتعليم، والصحة.
ومن الطبيعي أن يكون طموحه أن تتحول خطط التنمية إلى تحسن ملموس في هذه التفاصيل.
وهذا لا يعني تجاهل ما تحقق، وإنما يعني أن نجاح أي مرحلة يجب أن يقاس في النهاية بما تضيفه إلى حياة الناس.
فى اعتقادى ان الشباب أحد أهم عوامل نجاح مصر في 2030.فالاقتصاد يحتاج إلى أجيال تمتلك مهارات جديدة تتناسب مع سوق عمل يتغير بسرعة. الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والعمل عن بعد، والاقتصاد الأخضر، كلها مجالات يمكن أن تفتح فرصًا جديدة، لكنها في الوقت نفسه تفرض على منظومة التعليم والتدريب أن تتغير.
وهنا لا يكفي أن نمنح الشاب شهادة.المطلوب أن نمنحه القدرة على المنافسة.
فالشاب الذي يمتلك مهارة حقيقية يمكن أن يكون جزءًا من سوق عمل عالمي، بينما قد يجد آخر نفسه خارج المنافسة إذا ظل التعليم بعيدًا عن احتياجات السوق.
اما عن المدن الجديدة فاصبحت جزءًا واضحًا من المشهد المصري. وهي تجربة يمكن أن تساعد في مواجهة التكدس والتوسع العمراني، لكنها تحتاج إلى أكثر من البناء.فالمدينة ليست عمارات وطرقًا فقط.المدينة الحقيقية تحتاج إلى مدارس ومستشفيات ومواصلات وفرص عمل وخدمات ومساحات للحياة الاجتماعية.
ومن هنا سيكون نجاح المدن الجديدة مرتبطًا بقدرتها على جذب السكان والاقتصاد في الوقت نفسه، بحيث لا تصبح مجرد مناطق سكنية بعيدة عن مراكز النشاط.
ربما يكون الاقتصاد هو الملف الذي سيحدد بدرجة كبيرة شكل مصر في 2030.
مصر تحتاج إلى زيادة الإنتاج، ودعم الصناعة، وتشجيع الاستثمار، وزيادة الصادرات، وتحسين بيئة الأعمال، وفي الوقت نفسه حماية الفئات الأكثر تأثرًا بارتفاع تكاليف المعيشة.المعادلة ليست سهلة.لكنها ضرورية.
فلا يمكن أن يكون الهدف مجرد تحقيق معدلات نمو أعلى، وإنما يجب أن يكون النمو قادرًا على خلق وظائف وتحسين الدخول وزيادة الإنتاجية.
هناك فرصة أخرى لا ينبغي أن تضيع، وهي التحول الرقمي.
مصر تمتلك قاعدة بشرية كبيرة، وعددًا ضخمًا من الشباب، وموقعًا يسمح لها بأن تكون مركزًا للخدمات الرقمية في المنطقة.
لكن الاستفادة من هذه الفرصة تتطلب الاستثمار في التعليم واللغات والمهارات التقنية، وليس فقط في البنية التحتية الرقمية.
فالاستثمار في الإنسان قد يكون أهم استثمار يمكن أن تقوم به الدولة في طريقها إلى التقدم
من الخطأ أن نتعامل مع عام 2030 باعتباره نقطة تحول تلقائية او موعدا سحريا فلن تتغير حياة المصريين بمجرد الوصول إلى هذا التاريخ.
ما سيصنع الفرق هو ما يحدث قبل ذلك: كيف نستخدم ما تم إنجازه؟ وكيف نعالج نقاط الضعف؟ وكيف نخلق اقتصادًا أكثر إنتاجًا؟ وكيف نمنح الشباب فرصة حقيقية؟ وكيف نحول التنمية من مشروعات كبيرة إلى نتائج يشعر بها الناس؟
ما تحقق خلال السنوات الماضية يمثل مرحلة مهمة في مسار طويل، لكنه ليس نهاية الطريق.
وربما تكون المهمة الأصعب قد بدأت الآن: أن تتحول الاستثمارات والمشروعات إلى إنتاج، وأن يتحول النمو إلى فرص، وأن تتحول خطط المستقبل إلى تحسن حقيقي في حياة المواطن.
مصر 2030 لن تكون صورة واحدة يصنعها مشروع أو قرار.
ستكون نتيجة تراكم قرارات كثيرة، ونجاحات وإخفاقات، وفرص نستفيد منها وأخرى قد نفوتها.
وفي النهاية، سيبقى المقياس الأبسط والأكثر عدلًا:
ماذا تغير في حياة المصري عندما وصلنا إلى 2030؟