عاجل

ملف «معلمي الحصة» تحت قبة النواب.. استغلال أم سد للعجز؟| خاص

معلمي الحصة
معلمي الحصة

مع بداية العام الدراسي الجديد، يعود معلمو الحصة إلى المدارس لسد العجز في أعداد المعلمين، لكنهم يدخلون الفصول وهم يحملون أعباء تتجاوز قيمة الحصة نفسها، من ضعف المقابل المادي وتأخر المستحقات إلى تكاليف المواصلات وتغيير الجداول والتكليف بمهام وحصص خارج التخصص.

وبين شهادات معلمين يواجهون هذه الأوضاع يوميا، وتصريحات برلمانية تطالب بإعادة النظر في نظام العمل بالحصة، يبرز سؤال الاستقرار: كيف تعتمد المدارس على هذه الفئة في مواجهة عجز المعلمين، بينما لا يحصل كثير منهم على مقابل يتناسب مع جهودهم أو ضمان وظيفي واضح؟

وتتعدد المقترحات البرلمانية للتعامل مع الأزمة، من رفع قيمة الحصة وانتظام صرف المستحقات، إلى تثبيت المعلمين أو تعيينهم بعقود والاستفادة من خبراتهم، فضلا عن إعادة النظر في آليات اختبارات التعيين ومساواة معلمي الحصة بزملائهم المعينين في الحقوق. 

50 جنيها للحصة.. والمبلغ الفعلي يتراجع بعد الخصومات

وتتعلق إحدى أبرز شكاوى معلمي الحصة بقيمة المقابل المادي، إذ تبلغ قيمة الحصة المقررة 50 جنيها، بينما قد ينخفض ما يحصل عليه المعلم فعليا إلى نحو 32 جنيها في بعض الحالات، فيما أكد معلمون أن المقابل قد يصل بعد الخصومات إلى نحو 38 جنيها.

ولا تتوقف الأزمة عند قيمة الحصة، إذ إن التوزيع الجغرافي قد يدفع المعلم إلى العمل في مركز أو قرية بعيدة عن محل إقامته، ما يعني إنفاق جزء من المقابل المحدود على المواصلات، لتصبح المسافة بين المنزل والمدرسة عاملا إضافيا في زيادة الأعباء.

15 حصة تحولت إلى جدول مختلف تماما

وتروي مروة هاني، إحدى معلمات الحصة، لـ"نيوز رووم"، تجربتها مع بداية العام الدراسي، موضحة أنها كانت متعاقدة على 15 حصة أساسية، وجميعها في تخصصها، قبل أن يتغير جدولها بعد بدء العمل.

وقالت مروة إنها قبل المدرسة بيوم تلقت اتصالا بشأن جدولها، لتكتشف أن لديها 9 حصص أساسية وحصتين خدمات خارج تخصصها، مضيفة أنها تقبلت الأمر في البداية ولم تعتبره مشكلة.

وأضافت أنها فوجئت بإضافة يوم آخر إلى جدولها للنزول للإشراف، مع إبلاغها بأنه في حال عدم النزول سيتم شطب باقي الأسبوع، مشيرة إلى أنها عندما سألت في الإدارة قيل لها إنه ليس من حقها الإشراف أو حصص الخدمات، ولا يجوز تكليفها بتخصص آخر غير تخصصها.

وأوضحت أن الرد الذي تلقته كان: "مش عاجبك خدي ورقك وامشي"، مضيفة أنها لم تعترض في البداية لقرب المدرسة من منزلها ولرغبتها في العمل.

لكنها فوجئت لاحقا بتغيير جدولها مرة أخرى، ليصبح لديها 6 حصص أساسية في تخصصها و6 حصص خدمات في تخصصين آخرين، هما الفيزياء والعلوم المتكاملة، رغم أن تخصصها الأساسي هو الكيمياء، إلى جانب يوم إضافي للإشراف.

وأكدت أن الأمر تحول إلى إلزام بالموافقة على الجدول، مشيرة إلى أنها حاولت توضيح عدم قدرتها على تنفيذ هذه المهام، لكنها لم تحصل على رد من المسؤولة أو الموجه.

1400 جنيه مقابل 10 حصص.. "حسيت إنه ذل مقابل المبلغ"

وتروي معلمة أخرى لـ"نيوز رووم" تجربتها مع العمل بنظام الحصة، موضحة أنها كانت تعمل في مدرسة أخرى خلال العام السابق، قبل أن تنتقل إلى مدرسة جديدة وتحصل على 10 حصص بإجمالي مقابل يبلغ 1400 جنيه.

وأوضحت أن المبلغ نفسه كانت تتحمل منه نفقات المواصلات والإفطار، في الوقت الذي كانت مطالبة فيه بالشرح والاحتياطي والإشراف والتصحيح، فضلا عن الحضور منذ بداية الطابور وحتى نهاية اليوم، حتى في الأيام التي يكون لديها فيها حصة واحدة فقط.

وقالت إنها شعرت بأن ما تحصل عليه يمثل "ذلا مقابل المبلغ"، لذلك قررت ترك العمل، رغم خوفها من الندم على القرار مستقبلا.

وأضافت: "حرام لو كل واحد مننا بطل شغل مش هيلاقوا حد وهيعملولنا عقود، لكن طول ما المدارس مليانة بينا مش هيفكروا فينا"، متسائلة عن سبب قبول المعلمين بهذه الأوضاع رغم حصولهم على مؤهلات تعليمية وقدرتهم على أداء العمل.

الحصة ليست المهمة الوحيدة.. معلمون أمام الإشراف والاحتياطي والتصحيح

وتكشف شهادات المعلمين أن الأعباء لا ترتبط فقط بعدد الحصص أو قيمتها، وإنما تمتد إلى مهام أخرى داخل المدرسة، من بينها الإشراف والاحتياطي والتصحيح، فضلا عن الحضور طوال اليوم الدراسي في بعض الحالات.

وتزداد حدة الأزمة عندما تشمل هذه المهام حصصا أو أعمالا خارج التخصص الذي يعمل فيه المعلم، وهو ما ظهر في شهادة مروة هاني التي تحدثت عن تكليفها بحصص خدمات في الفيزياء والعلوم المتكاملة رغم أن تخصصها الأساسي هو الكيمياء.

24 حصة ومشكلة في توزيع الجدول

ويروي أحد المعلمين من محافظة الجيزة تجربته مع بداية العام الدراسي، قائلا إن مدير المدرسة أسند إليه 24 حصة، لكنه أوضح عدم قدرته على تحمل هذا العدد بسبب ظروفه وتأخره في المواصلات.

وأضاف أن المدير تفهم ظروفه في البداية، قبل أن تظهر مشكلة أخرى تتعلق بتوزيع الحصص، بعدما تبين عدم وجود مدرس للمادة يتولى توزيع الأنصبة والحصص بسبب خروج المدرس السابق إلى المعاش.

وأوضح أن أقدم مدرسة في المادة رفضت تولي مسؤولية توزيع الحصص، مكتفية بحصصها، مشيرا إلى أن الجدول تم تنظيمه بما يسمح لها بالانتهاء من حصصها في الساعة 11 أو قبل ذلك.

وأشار إلى أنه عندما رأت جدول حصصه اعترضت عليه، وسألته عن أساس إسناد الفصول إليه، موضحا أن الأمر تحول إلى خلاف حول انتظام الطلاب وحضورهم.

وقال إنه حصل على الجدول من الشيخ، وحاول التواصل معها أكثر من مرة دون رد، وعندما حضر للحديث معها أخبرته: "أنا ماليش دعوة بيك، أنا ليا دعوة بحصصي".

وأضاف أنها هددت بتقديم شكوى ضده في الإدارة لمعرفة كيفية توزيع الحصص، بينما أكد أنه طلب منها فقط النظر في توزيع الحصص، دون أن يجد حلا للمشكلة.

واختتم المعلم شهادته بالإشارة إلى أن مدير المدرسة تركه لمواجهة المشكلة، قائلا: "أنا مبردش عليها".

رفع قيمة الحصة وانتظام صرف المستحقات

وفي ضوء هذه الشكاوى، طالب النائب أمير الجزار بإعادة النظر في قيمة الحصة، موضحا أن القيمة المقررة تبلغ 50 جنيها، بينما لا يتجاوز ما يصل إلى المعلم فعليا نحو 32 جنيها، وهو ما لا يتناسب مع حجم الجهد المبذول.

وشدد الجزار على ضرورة رفع قيمة الحصة بما يضمن للمعلمين دخلا مناسبا، إلى جانب سرعة صرف مستحقاتهم وعدم تأخيرها، مشيرا إلى تعرض بعض المعلمين لتأخر صرف مستحقاتهم لمدة شهرين أو ثلاثة أشهر.

كما طالب بانتظام صرف مستحقات معلمي الحصة بالتزامن مع المرتبات الشهرية، والعمل على إيجاد حلول لمشكلاتهم، بما يحقق لهم الاستقرار ويضمن استمرار العملية التعليمية.

استقرار المعلم أساس نجاح المنظومة التعليمية

ومن جانبه، أكد النائب عاطف مغاوري أن نجاح المنظومة التعليمية يبدأ من توفير الاستقرار للمعلم، سواء من خلال ضمان حقوقه المالية أو منحه الأمان الوظيفي، متسائلا: "كيف نأتمن معلما على تربية وتعليم أجيال كاملة، بينما لا يحصل على كامل مستحقاته أو يشعر بالاستقرار في عمله؟".

ووصف مغاوري  لـ"نيوز رووم"  ما يحدث مع معلمي الحصة بأنه "خداع" لأصحاب الخبرة والكفاءة، معتبرا أن تجاهل سنوات عملهم وخبراتهم لا يخدم تطوير العملية التعليمية، ومشيرا إلى أن استمرار العمل بنظام "معلم الحصة" يعكس وجود خلل في المنظومة التعليمية.

وشدد على ضرورة صرف مستحقات معلمي الحصة دون تأخير، ومنحهم أجرا مناسبا في حال عدم تعيينهم، بما يضمن لهم حياة كريمة تمكنهم من أداء رسالتهم التعليمية.

خبرة المعلم أم الاختبارات.. مغاوري يطرح معيارا آخر للكفاءة

وأشار مغاوري إلى أن الأرقام المعلنة بشأن العجز في أعداد المعلمين، منذ إعلانها في عهد وزير التربية والتعليم الأسبق، ليست دقيقة، مؤكدا أن حجم العجز شهد تراجعا منذ ذلك الوقت.

وأوضح أن كفاءة المعلم لا تقاس بالاختبارات أو المسابقات، وإنما بخبراته العملية، وقدرته على توصيل المعلومة للطلاب، وأمانته في أداء رسالته التعليمية.

وأكد أن المعيار الحقيقي للحكم على المعلم هو ما يمتلكه من خبرات وما يحققه داخل الفصل الدراسي، وليس اجتياز اختبارات لا تعكس كفاءته المهنية.

بين التثبيت والتعيين بعقود.. مطالب بإنهاء عدم الاستقرار

وتتفق مطالب النائبين عند ضرورة توفير قدر أكبر من الاستقرار لمعلمي الحصة، إذ طالب أمير الجزار بتثبيتهم أو تعيينهم بعقود، مؤكدا أنهم يواصلون العمل رغم تدني المقابل المادي، على أمل الحصول على فرصة للتعيين، في الوقت الذي لا تستوعب فيه مسابقات التعيين الأعداد الكبيرة من العاملين بنظام الحصة.

وأشار الجزار إلى أن مسابقات التعيين، رغم أهميتها، تنتهي باختيار أعداد غير كافية مقارنة بأعداد معلمي الحصة العاملين بالفعل، وهو ما يترك أعدادا كبيرة خارج منظومة التعيين.

وأضاف  لـ"نيوز رووم"  أن هناك معلمين تتراجع فرصهم في التعيين مع اقترابهم من سن الأربعين أو تجاوزها، مطالبا بتثبيتهم أو تعيينهم بعقود، أسوة ببعض الفئات الأخرى، بما يضمن لهم الاستقرار الوظيفي.

وطالب مغاوري كذلك بمساواة معلمي الحصة بزملائهم المعينين في الحقوق، مؤكدا أنه لا ينبغي أن يكون هناك تمييز بين معلمين يؤدون العمل نفسه بالكفاءة ذاتها داخل المدارس.

المواصلات تلتهم دخل معلمي الحصة

وقالت النائبة نيفين فارس إن بعض المعلمين يحصلون على 33 جنيها صافيا للحصة، بينما قد يصل المقابل في حالات أخرى إلى 100 جنيه، مشيرة إلى أن بعضهم ينتظر مستحقاته لمدة شهرين أو ثلاثة أو حتى أربعة أشهر.

وأوضحت فارس لـ"نيوز رووم" أن بعض المعلمين يضطرون إلى الانتقال من محافظة إلى أخرى لإعطاء الحصص، ثم ينفقون ما يحصلون عليه على المواصلات، ليعودوا إلى منازلهم دون عائد يتناسب مع حجم المجهود المبذول.

وأشارت إلى أن استمرار هذه الأوضاع يمثل مشكلة، خاصة مع وجود عجز في أعداد المعلمين واعتماد المنظومة التعليمية على معلمي الحصة لسد جانب من هذا العجز.

انتقادات لاختبارات التعيين

وانتقدت فارس خضوع معلمي الحصة لاختبارات عند فتح باب التعيين بعد سنوات من العمل، رغم الخبرات التي اكتسبوها خلال فترة عملهم، مشيرة إلى أن بعضهم قد يتم استبعاده لأسباب تتعلق بالوزن أو المظهر.

وتساءلت عن مدى ملاءمة هذه المعايير لطبيعة وظيفة المعلم، مؤكدة أن الأمر يختلف عن الوظائف العسكرية أو الشرطية التي تستلزم اجتياز كشف هيئة.

«هطور التعليم بمين؟»

وتساءلت النائبة نيفين فارس: «هطور التعليم بمين؟»، مؤكدة أن معلمي الحصة يمثلون جزءا من القوة التي يعتمد عليها النظام التعليمي لمواجهة عجز المعلمين.

كما أشارت إلى مشكلة مرتبطة بعدد الساعات المسموح للمعلم بالحصة بتسجيلها، موضحة أنه عند تجاوز العدد المحدد قد لا يتم احتساب الساعات الزائدة ضمن مستحقاته.

فتح ملف معلمي الحصة

وأكدت فارس أنها ستعمل على فتح ملف معلمي الحصة مع بدء انعقاد مجلس النواب في أكتوبر، من خلال إعداد مقترحات مختلفة بشأن أوضاعهم، واستدعاء ممثلي وزارة التربية والتعليم لمناقشة الأزمة.

وأضافت أنها ستنسق مع زملائها النواب لتحريك الملف من مختلف الاتجاهات، خاصة مع تزايد شكاوى المتضررين، مشددة على ضرورة أن تضع الوزارة هذا الملف ضمن أولوياتها.

ووصفت النائبة أزمة معلمي الحصة بأنها «قنبلة موقوتة» تحتاج إلى تحرك جاد لمعالجتها.

تم نسخ الرابط