عاجل

في شارع ضيق بوسط القاهرة، سمع ابن أخي العائد من الخارج رجلًا ينادي صديقه: "حودة". لم يكن يعرف أن "حودة" هو "محمود". ثم مرّ بفتاة تنادي صديقتها: "يا منمونة"، فاكتشف أن "منة" هي المقصودة. ثم دخل مقهى، فسمع شابًا ينادي صديقه: "ميدو"، فاكتشف أن "ميدو" هو "أحمد". سألني في نهاية اليوم: «لماذا ينادي المصريون بعضهم بأسماء لا تشبه أسماءهم؟

ضحكت، فالسؤال نفسه يبدو غريبًا فقط لمن لم يعش في مصر. نحن لا ننادي أحبّتنا بأسمائهم الرسمية، بل بأسماء أخرى تولد من المحبة، وأحيانًا من المشاكسة، وتكبر معنا حتى تصبح جزءًا من حكايتنا. وقد يتحول الاسم إلى كلمة لا علاقة لها بصاحبه أصلًا، لكنها تحمل معنى لا يفهمه سواه ومن يناديه.

كل اسم له توأمه غير الرسمي، الذي يُقال في كل بيت؛ "محمد" يصبح "حمادة"، و"كمال" يصبح "كمولة"، وقد تجد "إبراهيم" يصبح "هيما".

والمصريون لم يتوقفوا عند حدود المعقول. فهم الشعب الوحيد في العالم الذي دلّع إبليس وقال له "شوشو". لكن هل دلّعوه حبًا؟ لا، فكما يقول الكاتب محمد الدسوقي رشدي، كان الأمر احتقارًا واستهزاءً، سلاحًا ساخرًا في وجه عدو عنيد.

التدليل ليس اختراعًا مصريًا حديثًا. في التراث العربي، كان فنًّا له قواعده. صغّر العرب الأسماء على وزن "فُعَيْل"، فقالوا في فاطمة "فُطيمة"، وفي محمد "حُميد". لم يكن التصغير انتقاصًا، بل كان تعبيرًا عن الألفة واختصارًا للمسافة بين القلوب. والتصغير في العربية، كما قال النحاة، «تصغير تحبيب»، أي أنك تصغّر الاسم لتعظّم المكانة.

وعرفت العربية أيضًا "الترخيم"، وفيه يُحذف من الاسم بعض حروفه في النداء، فيقال: "يا فاطمُ" بدل "يا فاطمة". حذف بسيط، لكنه يقول للآخر: أنت قريب مني لدرجة أنني لا أحتاج إلى اسمك كاملًا.

والمصريون القدماء لم يكونوا بعيدين عن هذه الحكاية. حتى أسماء الملوك، التي تبدو لنا اليوم مهيبة، كان لها نصيب من الاختصار والتخفيف.

"خوفو"، صاحب الهرم الأكبر، اسمه الذي نعرفه اليوم هو صيغة مختصرة من "خنوم- خوفوي"، أي "خنوم يحميني". و"رمسيس الثاني"، ملك معركة قادش، كان اسمه الكامل "رع مسو مري آمون"، أي "رع هو الذي أنجبه، محبوب آمون"، لكنه عُرف في بعض المراجع بصيغة أقصر: "سيسو".

وفي الأسرة السادسة، حمل ملوكها بعض الاسماء ما زالت مألوفة في آذان المصريين: "تيتي" و"بيبي". أسماء ملكية رسمية، لكنها تحمل رقة أسماء الدلع الحديثة. وليس بعيدًا عنهم الوزير "مري روكا"، أحد أبرز وزراء الأسرة السادسة، الذي عُرف أيضًا باسمه الجميل "مري"، ما يجعله أكثر ألفة في المناداة.

ثم هناك أسماء تبدو لنا اليوم مصرية خالصة: فيفي، وسوسو، ولولو؛ أسماء تتردد على ألسنة الأمهات والآباء، وتنتقل من جيل إلى جيل. بعضها اختصار لاسم طويل، وبعضها مجرد صوت حنون ينطقه الوالدان حين يناديان ابنتهما.

ولولو، التي ترتبط في القبطية بمعنى "فتاة جميلة"، نطقها المصري القديم كما ننطقها نحن اليوم. أي أننا عندما ندلل طفلة بـ لولو، نردد صدى آلاف السنين. وليس لولو وحده، بل "شري" أيضًا، التي تعني "الصغير". هذه الأسماء تفتح بابًا للتأمل في استمرار بعض أنماط التدليل في الحياة المصرية عبر الزمن.

بين «رع مسو مري آمون» و«سيسو»، وبين الاسم الذي يُكتب على الحجر والاسم الذي يُقال، تمتد حكاية طويلة عن المصريين وعلاقتهم بالأسماء. حكاية تقول إن التدليل والتخفيف لم يكن ترفًا لغويًا عابرًا، بل طريقة عميقة في التعبير عن القرب.

السؤال الذي لم يجب عنه ابن أخي بعد: لماذا نفعل ذلك؟ لماذا لا نكتفي بالاسم الرسمي؟

الإجابة أبسط مما تبدو. فالاسم الرسمي هو الاسم الذي يعرفنا به الجميع، أما الاسم الذي نخترعه لأنفسنا فهو اسم تصنعه الألفة، وتمنحه العلاقة بين شخصين معناها الخاص. قد يبدأ بكلمة عابرة، أو بموقف صغير، ثم يلتصق بصاحبه حتى يصبح مع الوقت اسمًا لا يعرفه إلا من كانوا جزءًا من حكايته. 

تم نسخ الرابط