عاجل

هل اشترى المصريون عقارات أكبر من قدرتهم؟.. كيف صنعت التقسيطات الطويلة طلبا تحت الاختبار

 السوق العقاري المصري
السوق العقاري المصري

شهد السوق العقاري المصري خلال السنوات الأربع الأخيرة تحولا واضحا في طبيعة الطلب، لم يقتصر على ارتفاع الأسعار أو تغير خريطة المطورين، وإنما امتد إلى تركيبة العملاء أنفسهم ودوافعهم وراء الشراء، وهو تحول أصبح أكثر وضوحًا مع تباطؤ حركة إعادة البيع وارتفاع حجم الالتزامات المرتبطة بالوحدات المتعاقد عليها.

فالسوق العقارية عادة ما تضم شرائح متعددة من المشترين؛ من يبحث عن مسكن، ومن يتعامل مع العقار كاستثمار طويل الأجل، إلى مشتري المنزل الثاني والمصريين بالخارج، بجانب شريحة من المستثمرين الذين يعتمدون على ارتفاع قيمة الوحدة وإعادة بيعها لتحقيق عائد خلال فترة زمنية أقصر.

لكن منذ عام 2022، ومع ارتفاع معدلات التضخم وتراجع قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية، بالتزامن مع الزيادات المتسارعة في أسعار العقارات، بدأت دوافع الشراء نفسها في التحول. وأصبح العقار بالنسبة إلى شريحة متزايدة من العملاء وسيلة للحفاظ على قيمة المدخرات، بينما توسعت في الوقت نفسه قاعدة المشترين الذين ينظرون إلى ارتفاع الأسعار كفرصة لإعادة البيع وتحقيق مكاسب رأسمالية.

وساعدت أنظمة السداد الممتدة، إلى جانب انخفاض نسب المقدم في عدد كبير من المشروعات، على توسيع قاعدة الدخول إلى السوق، لكنها في الوقت نفسه سمحت لبعض العملاء بالتعاقد على وحدات تفوق قدرتهم الفعلية على الاحتفاظ بها أو الوفاء بالتزاماتها على المدى الطويل.

وهنا تغير معيار القرار لدى جزء من الطلب العقاري؛ فلم يعد السؤال دائمًا هو القيمة الكاملة للأصل أو قدرته على تحقيق عائد مستقبلي، وإنما أصبح في بعض الحالات مرتبطًا بحجم السيولة المطلوبة في البداية وقدرة المشتري على دخول الصفقة.

فشراء وحدة قيمتها 10 ملايين جنيه، على سبيل المثال، مع سداد مقدم مليون جنيه فقط وتقسيط باقي القيمة على سنوات، قد يدفع بعض المشترين إلى النظر إلى المليون جنيه باعتبارها تكلفة الدخول الفعلية للصفقة، بينما يظل الالتزام الأكبر مؤجلًا إلى مراحل لاحقة.

هذا النموذج استطاع العمل بكفاءة خلال فترات الارتفاع السريع في الأسعار، عندما كان من الممكن للمشتري أن يبيع تنازله عن الوحدة بعد ارتفاع قيمتها قبل أن يتحمل الجزء الأكبر من الالتزامات المستقبلية. لكن استمرار هذا النموذج يظل مرتبطًا بشرط أساسي، وهو وجود مشترٍ جديد مستعد للدخول في الصفقة بسعر أعلى.

ومع تباطؤ حركة إعادة البيع وارتفاع الالتزامات المالية، بدأ الاختبار الحقيقي لتركيبة الطلب التي تشكلت خلال السنوات الماضية. فالفارق أصبح أكثر وضوحًا بين مشترٍ دخل السوق بهدف امتلاك أصل والاحتفاظ به، ولديه القدرة المالية على استكمال التزاماته، وبين مشترٍ اعتمد منذ البداية على إمكانية الخروج من الصفقة قبل استكمالها من خلال إعادة البيع أو التنازل.

ويفسر هذا التحول جانبًا من الضغوط التي ظهرت في سوق إعادة البيع، مع زيادة المعروض من التنازلات ومحاولات الخروج من بعض التعاقدات، خصوصًا لدى العملاء الذين ارتبطت قراراتهم بدرجة أكبر باستمرار صعود الأسعار وسهولة العثور على مشترٍ جديد.

وبالتالي، فإن معالجة اختلالات السوق العقارية لا ترتبط فقط بإعادة تنشيط المبيعات أو الحفاظ على معدلات الطلب السابقة، وإنما تمتد إلى إعادة بناء تركيبة الطلب نفسها بصورة أكثر توازنًا. فالسوق الأكثر استدامة هو الذي يرتفع فيه وزن المشترين القادرين على الاحتفاظ بالأصل، سواء بغرض السكن أو الاستثمار طويل الأجل، مقابل تراجع الاعتماد على الطلب قصير الأجل المرتبط بالمضاربة وإعادة البيع السريع.

وفي هذا السياق، يمثل خروج بعض أصحاب الالتزامات التي تتجاوز قدرتهم المالية من السوق عبر إعادة البيع أو التنازل، أو إعادة هيكلة التزاماتهم، جزءًا من عملية إعادة التوازن الطبيعية، بشرط أن تتم هذه العملية بصورة منظمة وتدريجية لا تضيف ضغوطًا مفاجئة على الأسعار والسيولة.

وبذلك تبدو التحديات الحالية في السوق العقارية المصرية أوسع من مجرد معادلة الأسعار والمبيعات؛ إذ ترتبط بدرجة كبيرة بتغير تركيبة الطلب التي تشكلت خلال السنوات الماضية. فزيادة المبيعات وحدها لا تعني بالضرورة عودة السوق إلى التوازن إذا كانت تعتمد على إعادة إنتاج النموذج نفسه.

أما التوازن الحقيقي، فيرتبط بعودة العقار إلى دوره كأصل يشتريه العميل القادر على الاحتفاظ به والوفاء بالتزاماته، لا كصفقة قصيرة الأجل يتوقف استمرارها على العثور على مشترٍ جديد بسعر أعلى. ومع إعادة تشكيل هذه الخريطة تدريجيًا، يمكن أن تنتقل السوق من مرحلة الاعتماد على سرعة ارتفاع الأسعار إلى مرحلة أكثر ارتباطًا بالقدرة الحقيقية على التملك والاستثمار واستدامة الطلب.

تم نسخ الرابط