ليست كل العقوبات الاقتصادية متساوية في أثرها، وليست كل الهزائم سياسية أو عسكرية. أحيانًا يكون القرار الذي لا يغيّر اقتصاد دولة كبرى، هو القرار الذي يكشف أن العلاقة السياسية معها بدأت تتغير.
من هذه الزاوية يمكن قراءة قرار بريطانيا حظر استيراد السلع المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وفرض قيود على شركات وأفراد يشاركون في تمويل أو بناء أو دعم مشاريع الاستيطان، بالتزامن مع خطوات مماثلة من فرنسا وكندا ومواقف أوروبية متزايدة تمسكًا بحل الدولتين.
لكن الإنصاف يقتضي عدم المبالغة؛ فهذا ليس حصارًا اقتصاديًا على إسرائيل، ولا يعني أن اقتصادها على وشك الانهيار. فتجارة المستوطنات تمثل جزءًا محدودًا من التجارة الإسرائيلية الخارجية، ولذلك فإن أهمية القرار سياسية ودبلوماسية وقانونية أكثر منها اقتصادية.
تآكل تدريجي لا عزلة كاملة
من الخطأ القول إن إسرائيل أصبحت دولة معزولة. فما زالت تتمتع بعلاقات واسعة، واقتصاد قوي، وقدرات عسكرية وتكنولوجية متقدمة، كما أن الولايات المتحدة لم تنضم إلى الإجراءات البريطانية.
لكن السياسة الدولية لا تعمل بمنطق «معزول أو غير معزول». هناك منطقة وسطى يمكن وصفها بـتآكل النفوذ؛ حيث تظل العلاقات قائمة، لكن الحلفاء يصبحون أقل استعدادًا للدفاع عن كل سياسات الشريك.
وهنا تكمن أهمية التحول: فالمواقف التي كانت تقتصر على انتقاد الاستيطان بدأت تتحول إلى إجراءات عملية، من القيود التجارية إلى استهداف بعض الأنشطة والأفراد المرتبطين بالتوسع الاستيطاني.
من الاعتراض إلى التكلفة
لسنوات، كان الموقف الغربي التقليدي يعتبر الاستيطان عقبة أمام السلام، مع التمسك بحل الدولتين، بينما تستمر العلاقات مع إسرائيل بصورة طبيعية تقريبًا.
أما اليوم، فبدأ ينتقل من «نحن نعارض» إلى «هناك تكلفة لما نعارضه».
والسبب أن الاستيطان لم يعد يُنظر إليه فقط باعتباره قضية سياسية، بل باعتباره عاملًا يؤثر مباشرة في إمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا وقابلة للحياة، خصوصًا مع مشاريع مثل منطقة E1.
ومن هنا أصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل يمكن الحفاظ على حل الدولتين مع استمرار التوسع الاستيطاني؟
القوة العسكرية لا تحسم معركة الشرعية
تمتلك إسرائيل تفوقًا عسكريًا كبيرًا، لكن القوة لا تستطيع وحدها فرض رواية سياسية على العالم إلى الأبد.
وهنا يجب الفصل بين حق إسرائيل في الأمن وبين سياسات الحكومة الإسرائيلية، خصوصًا ما يتعلق بالاحتلال والاستيطان.
هذا الفصل أصبح أكثر وضوحًا في عدد من الدول الغربية، وهو تحول قد تكون تداعياته طويلة المدى؛ لأن إسرائيل تستطيع مواجهة خصوم عسكريين، لكنها تحتاج أيضًا إلى الحفاظ على شبكة تحالفاتها الدولية.
أمريكا.. المظلة الأهم
تبقى الولايات المتحدة العامل الأكثر أهمية في منع تحول الضغوط الدولية إلى عزلة حقيقية. فالدعم السياسي والعسكري والاستراتيجي الأمريكي يمنح إسرائيل مساحة واسعة لمقاومة الضغوط.
لكن الخطر ليس في انهيار هذه المظلة غدًا، وإنما في أن تصبح أقل استعدادًا لتغطية جميع سياسات الحكومة الإسرائيلية سياسيًا، بالتزامن مع اتساع الفجوة بين إسرائيل وبعض حلفائها الأوروبيين.
وهنا قد تتحول القضية الفلسطينية من ملف إقليمي إلى عامل مؤثر في طبيعة التحالفات الغربية نفسها.
هل تخسر إسرائيل أصدقاءها؟
ربما يكون التعبير الأدق أنها لا تخسر أصدقاءها بقدر ما تخسر سهولة الحصول على دعمهم.
فالعقوبات المحدودة قد لا تغير السلوك بمفردها، وقد تدفع أحيانًا إلى مزيد من التشدد، كما أن الضغط الدولي لا يمكن أن يكون بديلًا عن حل سياسي متكامل يراعي أمن إسرائيل، ومستقبل غزة، ووضع السلطة الفلسطينية، والقدس، واللاجئين، وقدرة الدولة الفلسطينية المستقبلية على البقاء.
لكن الخطر الحقيقي يكمن في تطبيع فكرة الإجراءات العقابية: ما يبدأ بقيود على منتجات المستوطنات قد يتوسع إلى الشركات والتمويل والاستثمارات والأفراد والإجراءات الدبلوماسية.
لذلك فإن القضية ليست أن العالم أصبح عدوًا لإسرائيل، ولا أن إسرائيل باتت على وشك الانهيار.
المسألة أن الاستثناء الذي اعتادت عليه قد بدأ يتقلص.
والسؤال الاستراتيجي أمامها لم يعد فقط: كيف تحافظ على قوتها العسكرية؟
بل: كيف تحافظ على قوتها ونفوذها، دون أن تصبح كلفة سياساتها أكبر من قدرة حلفائها على الاستمرار في الدفاع عنها؟