عاجل


​(عندما يتاجر الإعلام بكرامة طفل لغسل يديه من التشهير)
​فجأة، وبدون مقدمات، يتحول موقف تنظيمي بسيط داخل مدرسة إلى قضية رأي عام؛ تصدر الفتاوى، وتشتعل مواقع التواصل بين مؤيد ومعارض. طالب حضر بـ "شبشب"، فمنعته المدرسة من الدخول حرصاً على الانضباط والزي المدرسي.. سيناريو عادي جداً يحدث في أي مؤسسة لها لوائح.
​لكن انقلب السحر على الساحر.. وأصبح تطبيق القانون "جريمة"، والمطالبة بالنظام "قسوة"!
​ تقنين الفوضى باسم الإنسانية
​الأزمة الحقيقية التي نعيشها اليوم ليست في "شبشب" ولا في زي مدرسي؛ الأزمة في محاولة مجتمعية مستمرة لتقنين الفوضى، وتبرير عدم الالتزام تحت شماعات براقة مثل "جبر الخواطر" أو "مراعاة الظروف". الجريمة الأكبر هي أننا صرنا نرى من يطالب بتطبيق القواعد وكأنه هو المعقد أو الظالم، بينما يُراد للمستهتر أن يكون هو البطل والضحية في آن واحد.
​عندما يُبرَّر الجرم بحجة "الاستفزاز" أو بعبارات من نوعية "شوفوا كانت لابسة إيه"، أو يُبرَّر الإهمال بـ "جبر الخواطر"، أو تُستغل واقعة مثل صلاة فتاة داخل مطعم بالضغط على الجانب الإيماني لتبرير السلوك دون النظر للوائح المكان؛ هنا يضيع الخيط الرفيع بين الإنسانية الحقيقية وبين السيولة الأخلاقية.
​ جبر الخواطر قيمة نبيلة وعظيمة.. لكنه لا يعني أبداً إلغاء القواعد واللوائح، بل يعني تطبيقها بآدمية وكرامة.
​ خطأ المدرسة.. وحكمة الغائب
​ما حدث في الواقعة الأخيرة يختصر أزمتنا المجتمعية في التعامل مع مفهوم "النظام"؛ فلا أحد ينكر أن المدرسة أخطأت في وسيلة فرض الانضباط، وكان يجب عليها معالجة الأمر بحكمة أكبر وأسلوب تربوي أرقى—كاستدعاء ولي الأمر مثلاً والتنبيه عليه—بدلاً من القرارات الحادة التي تُحدث رد فعل عكسي. لكن أن نتحول من نقد الأسلوب التربوي إلى تقنين عدم الالتزام.. فهنا تكمن الخطورة.
​ السؤال الأكثر ذكاءً: من الذي شهّر بالطفل حقيقةً؟
​هل هي المدرسة التي حاولت تطبيق القواعد (حتى وإن أخطأت الوسيلة داخل سورها)؟
​أم هي قنوات الصحافة والإعلام التي التقطت الصورة، ونشرت وجه الطفل، وجعلت منه كارت معايدة على صفحاتها لجمع "اللايكات" والمشاهدات؟
​لقد ارتكب الإعلام الخطيئة الأكبر بانتهاك خصوصية الطفل والتشهير العلني به أمام الملايين، ثم ذهب يستفتي المؤسسات الدينية بأسئلة عاطفية مُوجّهة ليحصل على فتوى تُحرم الإهانة والتشهير على طريقة "ضربني وبكى.. وسبقني واشتكى"! وكأن الصحافة تغسل يديها بذكاء من جرم التشهير الذي ارتكبته هي بدم بارد، لترمي بالمسؤولية كاملة على شماعة المدرسة!
​ تزييف الوعي.. ولا حياة لمن تنادي
​إن ما يحدث اليوم هو عملية تزييف ممنهجة للوعي. فعلى الرغم من التوصيات الأخيرة لرئيس الجمهورية في أكثر من مناسبة للمسؤولين عن الإعلام بضرورة إعادة توجيه البوصلة لمسارها الصحيح، والتوقف عن اللهاث خلف السطحية، والعمل على بناء وعي حقيقي للمواطن.. إلا أنه "لا حياة لمن تنادي".
​بدلاً من أن يمارس الإعلام دوره التنويري ويقود الشارع نحو الانضباط وقيمة احترام اللوائح – كما تُوصي كافة الأدبيات الإعلامية الرشيدة والتوجهات الوطنية الداعية لبناء الإنسان – اختار الطريق الأسهل: دغدغة مشاعر الجماهير، والركض خلف الشهوة اللحظية للتريند على حساب هيبة المؤسسات التعليمية، وتجريف الوعي المجتمعي لصالح السيولة الأخلاقية.
 خلاصة القول:
جبر الخواطر قيمة إنسانية نبيلة، لكنها لا تعني أبداً دهس القوانين. والإنسانية الحقيقية تبدأ من تعويد الأجيال على احترام النظام، لا تعليمهم كيف يتقنون دور الضحية لتقنين مخالفة القواع

تم نسخ الرابط