شهدت الأيام الماضية واقعتين تستحقان التوقف؛ ليس دفاعًا مطلقًا عن المحافظين، ولا هجومًا على الموظفين، وإنما بحثًا عن هيبة الدولة وحق المواطن.
الواقعة الأولى كانت في القليوبية، عندما وجّه المحافظ توبيخًا علنيًا لمديرة مدرسة بعدما قالت إنها تنفق من مالها الخاص على إصلاح المدرسة. وبالتأكيد أخطأ المحافظ في حدة أسلوبه؛ فالمحاسبة لا تعني الإهانة، ولا يصح أن يتحول التفتيش إلى محاكمة علنية أمام الكاميرات.
لاحقًا، كرّم وزير التربية والتعليم المديرة تقديرًا لجهودها، وهو أمر لا أرفضه، بل يستحق الاحترام. لكن طريقة إخراج المشهد أوحت بأننا دخلنا سباقًا عنوانه: من ينتصر في «الترند»؟ فضاعت الأسئلة الأساسية: لماذا اضطرت مديرة مدرسة إلى الإنفاق من راتبها؟ ومن تجاهل مخاطباتها؟ ومن المسؤول عن نقص الإمكانات؟
وبعدها بأيام، تكرر المشهد في أسوان؛ حيث تلقى المحافظ شكاوى من تعطيل مصالح المواطنين داخل الشهر العقاري، فتحرك إلى الموقع. هناك رفض أحد الموظفين الوقوف أثناء الحديث معه، وتمسك بأنه يتبع وزارة العدل وليس المحافظة، وكان مضمون حديثه: «ليس لك شأن».
قد يكون الموظف محقًا في أن المحافظ ليس رئيسه الإداري المباشر، وأن الاطلاع على دفتر الحضور يتطلب تنسيقًا مع وزارة العدل، لكن اختلاف الاختصاص لا يبرر غياب اللياقة. ليست القضية وجود نص قانوني يُجبر الموظف على الوقوف، وإنما احترام مسؤول جاء لمتابعة شكاوى المواطنين. وكان يمكنه ببساطة أن يقول: «مع كامل الاحترام، هذا الأمر يحتاج إلى الرجوع لقيادات الوزارة».
المشكلة أن «الترند» قد يتحول إلى فزعة؛ كل موظف يواجه مسؤولًا أمام الكاميرا يصبح بطلًا، وكل مسؤول يوجه ملاحظة يصبح متهمًا، بصرف النظر عن أصل الواقعة.
نحن لا نريد محافظًا يهين موظفًا، ولا موظفًا يتعامل بتعالٍ مع محافظ، ولا كاميرا تصنع معركة وهمية. نريد محافظًا ينزل إلى الشارع، يسمع الشكاوى ويتابع حلها، ومحاسبة تتم وفق القانون مع الحفاظ على كرامة الجميع.
لأن النتيجة الأخطر من هذه الفزعة أن يفضّل المحافظ الجلوس في مكتبه تجنبًا للترند، ويبقى الموظف خلف مكتبه، ويظل المواطن وحده واقفًا في الطابور يدفع ثمن المعركة.