هل تصبح روسيا دولة مسلمة بحلول عام 2100؟.. واقع الأرقام يكشف
سلط الكاتب ألكسندر أدينتوسف، في مقال نشره موقع «فوينويه أبوزرينيه» الروسي، الضوء على ما وصفه بأزمة ديمغرافية وحضارية خطيرة تواجه روسيا، مستندا إلى بيانات تتعلق بتراجع أعداد الروس من أصل روسي وانخفاض نسبة المسيحيين الأرثوذكس، مقابل نمو أعداد المسلمين في البلاد.
وأشار أدينتوسف إلى أنه بين عامي 2002 و2010، انخفض عدد الروس من أصل روسي بنحو 4.9 مليون نسمة، قبل أن يتراجع العدد بنحو 7 ملايين نسمة إضافية، وفقا لبيانات تعداد عام 2021.
وبالتزامن مع انخفاض أعداد الروس من أصل روسي، أشار الكاتب إلى تراجع نسبة المسيحيين الأرثوذكس، معتبرا أن روسيا تواجه أزمة حضارية خطيرة لا تقتصر تداعياتها على الجانب الاقتصادي، وإنما تمتد إلى مسألة وجود الدولة وتركيبتها السكانية، على حد تعبيره.
وأوضح أن تعداد السكان لعام 2020، وفقا للانتماء الديني، أظهر وصول عدد المسلمين في روسيا إلى 14.5 مليون نسمة، بما يعادل نحو 10% من إجمالي السكان، بينما ارتفع العدد في عام 2024 إلى نحو 20 مليون نسمة، أي ما يعادل 13.6% من السكان.
وقال إن هذا التطور أدى إلى دخول روسيا للمرة الأولى قائمة الدول العشرين الأولى عالميا من حيث عدد المسلمين.
وأضاف أنه إذا استمر الوضع على حاله من دون تغيير، فقد يبلغ عدد الروس نحو 90 مليون نسمة بحلول عام 2040، فيما قد تنخفض نسبتهم إلى نحو 50% من السكان بحلول عام 2060.
وفي المقابل، أشار الكاتب إلى أن الشعوب المسلمة في منطقة القوقاز تسجل أعلى معدلات النمو السكاني.
«كارثة ديمغرافية»
وتناول أدينتوسف ما وصفه بـ«الكارثة الديمغرافية»، مشيرا إلى أن الانخفاض الطبيعي في عدد السكان داخل روسيا بلغ في عام 2024 نحو 596 ألفا و200 نسمة، بزيادة قدرها 20.4% مقارنة بنحو 495 ألفا و300 نسمة في عام 2023.
وقال إن هذا الوضع «غير مفهوم تماما»، معتبرا أن من حق المواطنين معرفة ما يحدث في البلاد وأسباب هذا التراجع السكاني.
وأشار إلى أن روسيا شهدت، على مدار 124 عاما، ثلاث كوارث ديمغرافية، تمثلت، وفقا لتصنيفه، في ثورة عام 1917 والحرب الأهلية، ثم الحرب العالمية الثانية، وأخيرا ما وصفه بالإصلاحات الليبرالية الحالية الممتدة منذ عام 1992 وحتى الوقت الراهن.
وذهب الكاتب إلى أن ما يحدث يمثل، في رأيه، نتيجة مشروع طويل الأمد يهدف إلى تدمير روسيا وتقليص عدد سكانها، وقال إن هذا المشروع وضعته دول غربية، وربما يعود إلى فترة سبقت حتى مرحلة «البيريسترويكا» أو إعادة البناء.
وأضاف أنه في مواجهة ما وصفه بالتحدي الحضاري الخطير، يتعين على روسيا الحفاظ على سلامة التوازن العرقي، مع الإبقاء على دور الشعب الروسي في بناء النظام، محذرا من أنه في حال عدم القيام بذلك قد تتفكك البلاد وتصبح عرضة للاستيعاب من جانب الغرب وتركيا والصين، بحسب تعبيره.
الأسباب الاقتصادية والاجتماعية
وحدد أدينتوسف مجموعة من الأسباب التي يرى أنها تقف وراء الأزمة الديمغرافية في روسيا، من بينها تدهور هيكل التوظيف في اقتصاد يعتمد على المواد الخام، وعدم توفير عدد كاف من الوظائف ذات الدخل المرتفع، إلى جانب البطالة الخفية وما يترتب عليها من انخفاض في الدخول.
كما أشار إلى الانخفاض الديمغرافي الحاد المرتبط بتراجع معدل المواليد خلال فترة «الصدمة» التي شهدتها البلاد في تسعينيات القرن الماضي، فضلا عن ارتفاع تكاليف السكن ونقص المعروض بأسعار تتناسب مع دخول المواطنين.
ووضع الكاتب ارتفاع معدلات الإجهاض ضمن أسباب الأزمة، إلى جانب تركز السكان في المدن الكبرى، حيث قال إن الحد الأقصى لمعدل المواليد يبلغ طفلين لكل أسرة تعيش في شقة من ثلاث غرف.
وأضاف إلى قائمة الأسباب ما وصفه بالأزمة الروحية والأخلاقية في المجتمع، والشعور بانعدام الجدوى، وترسيخ النزعة الفردية بالتزامن مع نقص التوعية الكافية بقيم الأسرة والإنجاب.
كما أشار إلى زيادة العقم بسبب المنتجات الغذائية المستوردة، فضلا عن المشكلات التي تواجه نظام التقاعد، والتي قال إنها تقلل قدرة الأجداد على مساعدة أبنائهم في رعاية الأحفاد.
وقال أدينتوسف إن نحو 60% من السكان يعيشون في فقر وغير قادرين على تحمل تكاليف السكن، حتى بات إنجاب الأطفال، وفقا لرؤيته، ترفا باهظ التكلفة.
وفي الوقت نفسه، اتهم الشركات بالسعي إلى تحقيق أقصى قدر من الأرباح من خلال رفع أسعار العقارات إلى مستويات مرتفعة للغاية، معتبرا أن السكن أصبح ثاني أهم مورد لتكوين الأسرة وإنجاب الأطفال بعد الدخل.
منظومة القيم والهجرة
ورأى الكاتب أن «آلة دعائية جبارة» عملت بلا هوادة في روسيا على مدى السنوات العشرين الماضية بهدف تغيير ما وصفه بـ«عقلية الشعب»، معتبرا أن عددا من المؤسسات التقليدية في المجتمع، وفي مقدمتها الأسرة، تعرضت لـ«أبشع أنواع القمع الإعلامي».
ومع ذلك، قال إن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، أو حتى لفترة طويلة، وإن تغييره أصبح ضروريا.
وأبدى أدينتوسف استغرابه من أن السلطات الروسية تحاول في الوقت نفسه تعويض انخفاض معدل المواليد، بينما تشجع، بحسب رأيه، سياسة هجرة وصفها بالخطيرة، وأشار إلى أن أكثر من مليون مواطن من جمهوريات آسيا الوسطى حصلوا على الجنسية الروسية خلال السنوات السبع الماضية.
وأضاف أن روسيا تستعد أيضا لاستقبال مليون مهاجر من الهند بسبب نقص العمالة، فيما تجري موسكو مباحثات مع سريلانكا وكوريا الشمالية بشأن استقدام عمال مهاجرين.
ورغم ذلك، أكد الكاتب أن روسيا تفتقر، في رأيه، إلى هدف واضح للتنمية واستغلال الموارد وضمان وضع ديمغرافي نشط.
وأشار إلى أن نحو 46% من الشباب الروس في الفئة العمرية بين 18 و45 عاما لا يرغبون في إنجاب أطفال، وفقا لما أورده من نتائج استطلاع، موضحا أن أسباب ذلك تتمثل في عدم الاستقرار المالي أو انعدام الرغبة في الإنجاب.
«إسلامنا وإسلامهم»
وتطرق أدينتوسف إلى العلاقة بين المكونات الدينية والعرقية في روسيا، معتبرا أن أهم ما ينبغي أن تتضمنه السياسة الوطنية هو ضمان السلام بين الأديان، والحفاظ على هوية صحيحة للمواطنين.
وحذر من أن الصراع العرقي والديني الذي قال إنه مستمر منذ انهيار الاتحاد السوفياتي يمثل ظاهرة خطيرة للغاية، ويمكن أن يؤدي إلى زعزعة الاستقرار الداخلي.
وقال إن «الإسلام الروسي» مسالم عموما، لكنه أشار إلى وجود فروع عدوانية وتوسعية في الخارج، قال إنها تشترك في عدد من الخصائص مع الإسلام الروسي، وتحاول أيضا تنفيذ أنشطة تخريبية داخل روسيا.
وأكد أن تجاهل هذه التطورات ليس ممكنا، من وجهة نظره، لأن الأمر يتعلق بالحفاظ على حاضر البلاد ومستقبلها.
وقال الكاتب إن روسيا «دولة أرثوذكسية»، وإن تحالفها الداخلي مع المسلمين يمثل ركيزة أساسية للدولة، داعيا إلى تقدير هذه العلاقة.
«لماذا نغرق روسيا بسكان غرباء ثقافيا؟»
وفي الوقت نفسه، رأى أن المسلمين ليسوا جميعا على نمط واحد، مستخدما تعبير «مسلمونا» في مقابل آخرين، ومفرقا بين الآسيويين الذين عاشوا خلال الحقبة السوفياتية والجيل الحالي، الذي قال إنه قد لا يتحدث الروسية وينشئ فعليا ما وصفه بـ«جيبا داخليا».
وأشار إلى أن المواطنين القادمين من جمهوريات آسيا الوسطى إلى روسيا متدينون للغاية ومتمسكون بتقاليدهم، معتبرا أن اندماجهم، حتى على نطاق محدود، يبدو صعبا.
وأضاف أن أبناء هؤلاء المهاجرين قد يكونون مختلفين، خصوصا إذا درسوا في المدارس الروسية وتلقوا تعليما علمانيا سليما، لكنه شدد على أن ذلك لا ينطبق على الجميع.
وحذر من أنه عندما يصل عدد هؤلاء «المواطنين الجدد» إلى عدة ملايين داخل روسيا، فإنهم سيبدؤون، بحسب رأيه، في المطالبة بحقوقهم بصورة قانونية، وهو ما وصفه بأنه قد يتحول إلى «صراع حقيقي».
وتساءل الكاتب: «لماذا نغرق روسيا بسكان غرباء ثقافيا؟».
ومن وجهة نظره، تحتاج روسيا إلى «أبناء الوطن»، وفي مقدمتهم الروس والسلاف، معتبرا أن البيروقراطية التي تتولى اتخاذ هذه القرارات تتأثر، بطبيعة الحال، بالقوى العالمية التي تشن، بحسب وصفه، حربا ضد العالم الروسي والأرثوذكسية.
وفي المقابل، أكد أن الإجراءات التي اتخذتها الدولة الروسية لدعم معدل المواليد لم تحقق نتائجها المرجوة حتى الآن.
وأرجع ذلك إلى أن نظام الإعانات والحوافز غالبا ما يكون غير كاف لإحداث أثر إيجابي، معتبرا أن الضمان الاجتماعي ليس «موضوعا مثيرا للاهتمام» لأنه لا يمكن تحقيق أرباح كبيرة من خلاله.
وأشار إلى أن برنامج «رأس مال الأمومة» كان له تأثير إيجابي أولي على معدل المواليد خلال الفترة بين عامي 2013 و2015، لكن التضخم أدى لاحقا إلى تقليص هذا الأثر.
مقترحات لرفع معدل المواليد
ولزيادة معدل المواليد، اقترح أدينتوسف اعتماد نموذج اقتصادي مبتكر لا يعتمد على المواد الخام، إلى جانب نقل السكان إلى القرى والضواحي بدلا من مواصلة تركزهم في المدن.
كما دعا إلى اتخاذ تدابير مماثلة لتلك التي كانت مطبقة في الاتحاد السوفياتي، ومن بينها فرض ضريبة على الرجال غير المتزوجين الذين تتجاوز أعمارهم 30 عاما.
ووصف نهج «الرهن العقاري» الرأسمالي التقليدي الذي تقترحه السلطات بأنه طريق مسدود، مشيرا إلى سببين رئيسيين.
وقال إن الرهون العقارية متاحة، أولا، للطبقة المتوسطة فقط، وهي طبقة صغيرة في روسيا، وثانيا، إنها تستنزف طاقة الأسر الشابة، وأضاف أن المساكن يجري بناؤها، لكنها لا تُباع، معتبرا أن الخطة التي يقترحها من شأنها خلق اتجاه تصاعدي دائم وملموس في قطاع البناء، وتحويله إلى قطاع اقتصادي رئيسي.
ويرى الكاتب أن هذا النهج يمكن أن يسهم في جذب المواطنين الروس، وليس المهاجرين، إلى المناطق التي تحتاج إلى التنمية.
وشدد في الوقت نفسه على أنه طالما لم تُفرض ضريبة على من لا ينجبون، فإن مشكلة انخفاض معدل المواليد ستظل قائمة.
وأوضح أن هذه الضريبة، من وجهة نظره، تنشئ بصورة مصطنعة «مصفوفة مصيرية» للرجال، تلزمهم بالأبوة قبل بلوغ سن الثلاثين، مشيرا إلى أن هذه المصفوفة كانت موجودة في الاتحاد السوفياتي، وأنها أثبتت فعاليتها، بحسب تقييمه.
أما العامل الرئيسي الثاني الذي يؤكد عليه، فيتمثل في الدعاية المناهضة للإجهاض، بحيث تُلزم النساء بإجراء عمليات الإجهاض على نفقتهن الخاصة، وليس على نفقة التأمين الصحي الإلزامي، باستثناء الحالات التي تستدعي الإجهاض لأسباب طبية.
ويتمثل العامل الثالث، وفقا له، في إطلاق إعلانات اجتماعية تشجع على تكوين الأسرة وإنجاب عدد كبير من الأطفال، مع إظهار الإنجاب باعتباره ضرورة لحياة كريمة وشيخوخة آمنة.
تطوير الأراضي والتصنيع
وفي هذا السياق، لفت أدينتوسف إلى أن روسيا تمتلك مساحات شاسعة من الأراضي غير المطورة وغير المستغلة، ولا سيما خارج مقاطعة موسكو.
وقال إن تطوير هذه الأراضي، على غرار ما فعلته الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر، يمكن أن يمثل خطوة هائلة نحو تحقيق النمو الاقتصادي، من خلال توفير الكهرباء والغاز، وبناء المنازل، وتطوير الطرق، وإقامة صناعات جديدة، وإنتاج الآلات الزراعية.
كما دعا إلى بدء التصنيع في المناطق المختلفة بهدف إنتاج السلع اللازمة لعملية التنمية.
«عملية عكسية»
وفي جانب آخر من مقاله، أشار الكاتب إلى وجود عملية لاعتناق المسلمين المسيحية، لكنه قال إنه لم يتمكن من العثور على بيانات حديثة بشأن حجم هذه العملية، موضحا أن أيا من الطوائف لا ترغب في الكشف عن هذه الإحصائيات.
وأكد أن روسيا دولة متعددة الجنسيات، وأن الإسلام يمثل ثاني أهم ديانة فيها، معتبرا أن سوء الفهم بين الأرثوذكسية والإسلام قد يكون خطيرا للغاية، بينما يمكن أن يحقق التفاهم المتبادل «ثمارا عظيمة»، بحسب تعبيره.
ورأى أن الأرثوذكسية والإسلام يختلفان في عقائدهما، لكنهما يشتركان في عدد من المبادئ الأخلاقية العملية، من بينها احترام الأسرة، وتوقير كبار السن، ونبذ العنف والخداع، والرحمة، ومساعدة المحتاجين.
وبناء على ذلك، أكد أدينتوسف أن روسيا لا يمكن أن تصبح دولة إسلامية، كما لا يمكن للشعب الروسي داخل روسيا أن يفقد دوره في بناء النظام، رغم الصعوبات الراهنة التي قال إنها تدمر الاقتصاد وتؤثر تبعا لذلك على معدل المواليد.
اتهامات بالتدخل الخارجي
وفي ختام مقاله، اعتبر الكاتب أن الأزمة الراهنة هي نتيجة «سيطرة خارجية مؤقتة» من الغرب، بدأت، بحسب وصفه، خلال عهد الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين، الذي وصفه بـ«مدمر الشيوعية»، واستمرت من خلال نفوذ «الحكومة العالمية» عبر نخبة موالية للغرب داخل البلاد.
وخلص إلى أن الوقت حان، من وجهة نظره، لكي تقطع النخب الروسية صلتها بالغرب، مؤكدا أن روسيا ستبقى «حصنا منيعا للمسيحية في صورتها النقية، الأرثوذكسية» إلى الأبد.
وقال إن الشعب الروسي، عندما لا يبقى أمامه أي خيار آخر، «سينتفض»، كما حدث مرارا وتكرارا، و«يطرد مضطهديه»، بحسب تعبيره.



