خلاف الوسيلة لا الهدف.. كيف تُدار أوراق تهجير غزة في إسرائيل؟
تباينت خطابات المسؤولين الإسرائيليين بشأن الدعوات إلى تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، قبل أقل من شهرين من انتخابات الكنيست المقررة، والتي يُنظر إليها باعتبارها محطة حاسمة في تحديد مستقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته اليمينية.
وبعد تصريحات متكررة لمسؤولين إسرائيليين، بينهم وزير الدفاع يسرائيل كاتس ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، بشأن دفع سكان قطاع غزة إلى الهجرة، قدم وزير الخارجية جدعون ساعر رواية مختلفة، إذ أكد أن إسرائيل لا تخطط لطرد أو ترحيل أي شخص من القطاع، لكنه قال في الوقت نفسه إن باب الهجرة الطوعية سيظل مفتوحًا.
وأعاد هذا التباين في الخطاب الإسرائيلي طرح تساؤلات بشأن حقيقة موقف حكومة نتنياهو من ملف تهجير الفلسطينيين، وما إذا كانت تصريحات ساعر تعكس تراجعًا فعليًا عن الطروحات التي سبق أن تبناها وزراء في الحكومة، أم أنها تمثل محاولة لإعادة صياغة الفكرة بمصطلحات أكثر قبولًا على المستوى الدولي.
خلاف في الأسلوب لا الهدف
يرى المحلل السياسي نزار نزال أن اختلاف التصريحات الإسرائيلية بشأن مستقبل سكان قطاع غزة لا يعكس بالضرورة تناقضًا حقيقيًا داخل الحكومة، وإنما يكشف، من وجهة نظره، اختلافًا في الأدوات والأساليب المستخدمة للوصول إلى الهدف ذاته.
وقال نزال، في تصريحات صحفية، إن تصريحات بن غفير وبتسلئيل سموتريتش بشأن طرد الفلسطينيين بالقوة تمثل أحد أشكال الدفع نحو التهجير، بينما يمكن أن تؤدي العمليات العسكرية والظروف الإنسانية الناتجة عنها إلى النتيجة نفسها، حتى من دون إصدار قرار مباشر بترحيل السكان.
وأضاف أن استمرار تدمير قطاع غزة، وتدهور الظروف المعيشية، وغياب الأمل في إعادة الإعمار، يمكن أن يدفع الفلسطيني إلى مغادرة القطاع بحثًا عن مكان آخر، معتبرًا أن "الهدف المركزي" في الحالتين هو تقليل عدد الفلسطينيين الموجودين داخل غزة.
وبحسب نزال، فإن تصريحات ساعر تستخدم لغة دبلوماسية مختلفة عن تلك التي يتبناها وزراء اليمين المتطرف، لكنه يرى أن المسارين يصبان في الاتجاه نفسه.
وأوضح أن الفارق بين خطاب ساعر من جهة، وخطاب بن غفير وسموتريتش من جهة أخرى، يتعلق بالطريقة وليس بالغاية، مشيرًا إلى أن بعض المسؤولين يتحدثون عن التهجير بصورة صريحة، بينما تستخدم أطراف أخرى خطابًا أكثر دبلوماسية يتحدث عن حرية الحركة والهجرة الطوعية.
وفي ما يتعلق بموقف نتنياهو، يرى نزال أن التصريحات التي تنفي وجود توجه لترحيل الفلسطينيين تستهدف بالدرجة الأولى المجتمع الدولي، ولا سيما الولايات المتحدة والدول الأوروبية.
وقال إن نتنياهو يحاول أحيانًا نفي هذا التوجه في الخطاب الموجه إلى الخارج، لكنه في الوقت نفسه يبقى صاحب القرار الأساسي داخل الحكومة الإسرائيلية.
ويعتقد نزال أن مكونات الائتلاف الحاكم، من اليمين الديني المتطرف إلى الشخصيات التي تتبنى خطابًا أكثر اعتدالًا في المجال الدبلوماسي، تلتقي عند هدف تقليص عدد الفلسطينيين داخل قطاع غزة، بينما يتمثل الخلاف في الوسيلة والطريقة التي يمكن الوصول بها إلى ذلك.
خطة على الطاولة
من جهته، يرى المختص في الشأن الإسرائيلي فراس ياغي أن خطة تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة لم تغادر أجندة حكومة نتنياهو، رغم النفي الرسمي الذي صدر عن وزير الخارجية جدعون ساعر.
وقال ياغي، في تصريحات صحفية، إن فكرة "الهجرة الطوعية" كانت مطروحة سابقًا بصيغ مختلفة، من بينها الحديث عن حرية حركة سكان القطاع وإتاحة المجال أمامهم للخروج، معتبرًا أن التطورات الميدانية لا تنسجم، في تقديره، مع الحديث عن عدم وجود توجه إسرائيلي نحو التهجير.
ويستند ياغي في ذلك إلى استمرار العمليات العسكرية، واتساع نطاق السيطرة الإسرائيلية داخل القطاع، وتفاقم الأوضاع الإنسانية، إلى جانب القصف والاغتيالات والحصار، فضلًا عما يصفه بالمماطلة الإسرائيلية في تنفيذ المراحل المتفق عليها من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ويرى أن هذه التطورات تشير إلى أن خيار التهجير لا يزال حاضرًا لدى ائتلاف اليمين واليمين المتطرف في إسرائيل، حتى إذا لم يُطرح في الوقت الراهن باعتباره سياسة رسمية معلنة.
وقال ياغي إن التصريحات الصريحة التي أطلقها كاتس وبن غفير بشأن تهجير سكان غزة تسببت في ردود فعل أمريكية ودولية واسعة، بعدما اعتبرها البعض جزءًا من سياسات قد ترقى إلى التطهير العرقي، الأمر الذي دفع إسرائيل، بحسب رأيه، إلى إعادة ضبط خطابها السياسي.
وأشار إلى أن هذا الضغط انعكس في تصريحات أمريكية وإسرائيلية لاحقة نفت وجود خطة رسمية للتهجير، معتبرًا أن خروج ساعر بهذا الموقف جاء في سياق محاولة احتواء التداعيات السياسية والدبلوماسية للتصريحات السابقة.
وأضاف أن ساعر لا يمثل الصوت الأكثر تأثيرًا داخل حزب الليكود بشأن هذه القضية، بينما يرى أن يسرائيل كاتس، باعتباره من الشخصيات القريبة من نتنياهو، يعكس بدرجة أكبر توجهات رئيس الحكومة وحلفائه داخل الائتلاف.
وبحسب ياغي، فإن استمرار طرح فكرة التهجير يرتبط أيضًا برؤية التيار اليميني المتطرف في إسرائيل إلى الوجود الفلسطيني بين نهر الأردن والبحر المتوسط باعتباره تهديدًا وجوديًا، وهو ما يفسر، من وجهة نظره، انتقال الخطاب من قطاع غزة إلى الضفة الغربية، واحتمال اتساعه لاحقًا ليشمل فلسطينيي الداخل.
ويرى المختص في الشأن الإسرائيلي أن التهجير لا يشترط بالضرورة تكرار نموذج عام 1948 بصورة مباشرة، بل يمكن أن يحدث تدريجيًا من خلال خلق ظروف تدفع السكان إلى النزوح داخل القطاع أو إلى خارجه.
ويشدد على أن بقاء السكان في ظروف إنسانية قاسية، من دون إعادة إعمار حقيقية، قد يجعل التهجير يأخذ شكلًا تدريجيًا بدلًا من حدوثه في عملية واحدة ومعلنة.
مسار طويل
أما المحلل السياسي عماد موسى، فيضع النقاش الحالي في سياق تاريخي أوسع، معتبرًا أن قضية تهجير الفلسطينيين لا يمكن فصلها عن مسار المشروع الإسرائيلي منذ بداياته.
وقال موسى، في تصريحات صحفية: "منذ احتلال فلسطين، عملت إسرائيل على مسارين أساسيين، أولهما ضمان تدفق الهجرة اليهودية إلى فلسطين والحصول على الدعم البريطاني، والثاني التعامل مع الوجود الفلسطيني عبر الاستيلاء على الأراضي وتهجير السكان".
ويرى موسى أن هذه السياسة لم تتوقف، وأن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة واصلت التعامل مع هذين الهدفين بوسائل مختلفة، معتبرًا أن الحروب المتكررة على قطاع غزة تأتي ضمن سياق أوسع يتعلق بالأرض والسكان.
وبشأن التباين بين تصريحات بن غفير وساعر، قال إن ساعر يسعى، من خلال نفي وجود خطة لترحيل سكان غزة، إلى إعادة تقديم صورة إسرائيل أمام المجتمع الدولي، خصوصًا بعد الانتقادات الدولية الواسعة التي واجهتها إسرائيل بسبب الحرب على القطاع.
وبحسب موسى، فإن استخدام مصطلح "الهجرة الطوعية" لا يلغي جوهر المسألة، طالما أن الظروف التي يعيشها الفلسطينيون داخل قطاع غزة قد تدفعهم إلى البحث عن مكان آخر.
ويرى أن التصريحات الإسرائيلية المتباينة بشأن التهجير تعكس اختلافًا في الخطاب السياسي الموجه إلى الداخل والخارج، أكثر مما تعكس، بحسب تقديره، تراجعًا جوهريًا عن فكرة تقليص الوجود الفلسطيني في القطاع.
وفي ظل اقتراب انتخابات الكنيست، يكتسب هذا التباين في الخطاب أهمية سياسية إضافية، إذ يأتي في وقت تتداخل فيه حسابات الائتلاف الحاكم واليمين الإسرائيلي مع الضغوط الدولية المرتبطة بالحرب على غزة ومستقبل القطاع وسكانه.



