خبير شؤون إفريقية: مصر لا تحتاج تدخلا عسكريا في السودان.. وهذه أدوات القاهرة
قال الدكتور محمد فؤاد رشوان، الباحث في الشؤون الإفريقية، إن القاهرة تمتلك أدوات اقتصادية وإنسانية وأمنية للتأثير في مسار الأزمة السودانية، مشيرا إلى أن القيمة الحقيقية لهذه الأدوات لا تكمن في استخدامها بصورة منفردة، وإنما في دمجها داخل استراتيجية مصرية متكاملة تجاه السودان.
وأوضح رشوان أن الأزمة السودانية ليست أزمة عسكرية فقط، وإنما أزمة دولة ومجتمع واقتصاد وإنسان، ولذلك فإن التعامل معها من زاوية عسكرية وحدها لن يؤدي إلى معالجة جذور الأزمة.
مصر يجب أن تنتقل من مساعدة السودان على تجاوز الحرب إلى إعادة بناء الدولة
وأشار إلى أن الاستراتيجية المصرية ينبغي أن تقوم على الانتقال من مفهوم "مساعدة السودان على تجاوز الحرب" إلى مفهوم أكثر اتساعا هو "المساهمة في إعادة بناء الدولة السودانية".
وأكد أن هذا التحول مهم، لأن مصر لا تبحث فقط عن وقف إطلاق النار، وإنما عن الوصول إلى سودان مستقر وموحد وقادر على إدارة مؤسساته وحدوده واقتصاده، بما يحفظ في الوقت نفسه المصالح الاستراتيجية المصرية.
أدوات اقتصادية مصرية لدعم الاقتصاد السوداني
وحول الأدوات الاقتصادية التي تمتلكها مصر، أوضح رشوان أنها متعددة، لكنها ليست أدوات ضغط اقتصادي بالمعنى التقليدي، وإنما أدوات نفوذ وتكامل وحوافز.
وقال إن مصر تمثل بالنسبة للسودان أقرب نافذة اقتصادية ولوجستية يمكن الاعتماد عليها في ظل انهيار أجزاء واسعة من البنية الاقتصادية السودانية، مشيرا إلى أن القاهرة تستطيع استخدام موقعها الجغرافي وسوقها الكبير وقدراتها الصناعية والزراعية واللوجستية في مساعدة الاقتصاد السوداني على البقاء، ثم على التعافي وإعادة البناء.
وأضاف أن السياسة المصرية لا ينبغي أن تقتصر على زيادة حجم الصادرات المصرية إلى السودان، وإنما يجب أن تقوم على إعادة صياغة العلاقة الاقتصادية بين البلدين باعتبارها علاقة تكامل.
وأشار إلى أن السودان يمتلك إمكانات كبيرة في الزراعة والثروة الحيوانية والقطن والسمسم والصمغ العربي وغيرها، بينما تمتلك مصر قدرات صناعية ولوجستية وتسويقية وتمويلية يمكن أن تساعد في تحويل هذه الموارد إلى قيمة اقتصادية أكبر.
إعادة تشغيل التجارة والمعابر والنقل
ولفت إلى أهمية إعادة تشغيل التجارة والمعابر والنقل، وتقديم تسهيلات ائتمانية للسلع الأساسية، وتشجيع القطاع الخاص المصري على الاستثمار في قطاعات الغذاء والدواء ومواد البناء والطاقة والخدمات.
وأضاف أن مصر تستطيع أن تلعب دورا في إعادة إعمار السودان، ليس فقط من خلال الشركات الحكومية، وإنما أيضا من خلال القطاع الخاص والمؤسسات المالية العربية والأفريقية والدولية.
وأكد أن إعادة الإعمار ستكون في نهاية الحرب واحدة من أكبر ساحات التنافس الدولي والإقليمي في السودان.
وقال رشوان: "إذا تركت مصر هذا المجال للآخرين، فقد تجد بعد سنوات أن البنية الأساسية والاقتصاد السوداني أصبحا مرتبطين بمصالح قوى أخرى. أما إذا شاركت مصر مبكرا في إعادة الإعمار، فإنها تستطيع أن تجعل التكامل الاقتصادي أحد أعمدة العلاقة المصرية السودانية لعقود مقبلة".
الدعم الإنساني يمكن أن يمثل أداة استراتيجية لبناء الثقة
وفيما يتعلق بالدعم الإنساني، أوضح رشوان أن هذا الدعم بالنسبة لمصر ليس مجرد التزام أخلاقي تجاه الشعب السوداني، وإنما يمكن أن يمثل أيضا أداة استراتيجية لبناء الثقة والحفاظ على الروابط الشعبية بين البلدين.
وأشار إلى أن مصر تتحمل بالفعل جزءا كبيرا من تداعيات الحرب من خلال استضافة أعداد كبيرة من السودانيين الذين اضطروا إلى مغادرة بلادهم، موضحا أنه في الوقت نفسه يمكن للقاهرة توسيع مساعداتها الإنسانية داخل السودان من خلال الغذاء والدواء والمستلزمات الطبية ومياه الشرب والطاقة والمساعدات التعليمية.
دعوة لإنشاء "الجسر الإنساني المصري للسودان"
وأكد رشوان ضرورة الانتقال من نموذج "القوافل الإغاثية" إلى نموذج أكثر استدامة يمكن تسميته "الجسر الإنساني المصري للسودان".
وأوضح أن هذا النموذج يمكن أن يعمل على إيصال الغذاء والدواء والخدمات الطبية ومياه الشرب والطاقة إلى المناطق السودانية الأكثر احتياجا، بالتنسيق مع المؤسسات السودانية والمنظمات الدولية والهلال الأحمر.
وأشار إلى أن هذا الدور سيكون له تأثير يتجاوز قيمته الإنسانية، لأنه يعزز صورة مصر باعتبارها الدولة الأقرب والأكثر قدرة على مساعدة السودانيين في وقت الأزمة.
وأضاف أن مصر تستطيع استثمار قدراتها الطبية والتعليمية في استقبال المرضى والطلاب السودانيين، وتوفير برامج تدريب مهني، وتوسيع التعاون الصحي والتعليمي.
وأكد أن المساعدة الإنسانية المصرية يمكن أن تصبح بذلك جزءا من استراتيجية الاستقرار، وليس مجرد استجابة مؤقتة للأزمة.
لا أؤيد تدخلا عسكريا مصريا مباشرا في السودان
وفيما يتعلق بالتدخل العسكري، قال رشوان إنه لا يؤيد تدخلا عسكريا مصريا مباشرا وواسع النطاق في الحرب السودانية.
وأوضح أن ذلك لا يعني أن تقف مصر على مسافة واحدة من كل ما يحدث، أو أن تتخلى عن مصالحها الأمنية، مشيرا إلى وجود فرق جوهري بين دعم الدولة السودانية ومؤسساتها الوطنية، وبين الدخول المصري المباشر كطرف مقاتل في الحرب.
وأكد أن دعم الدولة السودانية ومؤسساتها الوطنية يمكن أن يكون جزءا من استراتيجية الأمن القومي المصري، بينما يمكن أن يحول الدخول المصري المباشر القاهرة من دولة مؤثرة إلى طرف مباشر في حرب شديدة التعقيد.
مخاطر التورط العسكري المباشر في الحرب السودانية
وأشار رشوان إلى أن الحرب السودانية ليست حربا يمكن حسمها بسهولة من خلال تدخل عسكري خارجي، في ظل اتساع الجغرافيا السودانية وتعدد القوى المسلحة والتدخلات الخارجية، بما يجعل احتمالات الاستنزاف مرتفعة للغاية.
وأضاف أن دخول مصر عسكريا بصورة مباشرة يمكن أن يؤدي إلى تدويل أكبر للصراع، وربما يدفع قوى إقليمية أخرى إلى زيادة دعم الأطراف السودانية المختلفة.
وقال إن المعادلة قد تنتقل بذلك من "حرب سودانية داخلية" إلى "حرب إقليمية بالوكالة على الأراضي السودانية"، مؤكدا أن هذا السيناريو لا يخدم مصر.
الهدف المصري انتصار الدولة السودانية على التفكك
وأكد رشوان أن الهدف المصري، في تقديره، يجب ألا يكون انتصار مصر لطرف سوداني، وإنما انتصار الدولة السودانية على حالة التفكك.
وشدد على أن المصلحة المصرية الحقيقية تتمثل في الوصول إلى "سودان موحد، ثم مؤسسات دولة موحدة، ثم مؤسسة عسكرية وطنية واحدة، ثم تسوية سياسية سودانية، ثم اقتصاد قابل للحياة".