حين نسمع كلمة "إمبراطورية"… نتخيل جيوشاً… وملوكاً… وأباطرة يجلسون على العروش.
لكن ماذا لو كانت أخطر إمبراطورية في التاريخ… لا تملك تاجاً؟ ولا جيشاً ظاهراً؟ ولا حتى إمبراطوراً معروفاً؟
من يحكم العالم فعلاً؟ هل هم الرؤساء؟ أم الحكومات؟
أم أن السلطة الحقيقية انتقلت إلى مكان آخر… خلف الكواليس؟
هناك من يقول إن العالم اليوم لا تحكمه الدول… بل تحكمه الشركات العملاقة.
شركات النفط… والبنوك…وشركات السلاح… والإعلام… والتي أصبحت أقوى من كثير من الدول نفسها.
وفي هذه الحلقة… سنكشف كيف نشأت الإمبراطورية الاقتصادية الحديثة… ومن هم الأباطرة الحقيقيون الذين يديرون العالم دون أن ينتخبهم أحد.
في هذه الحلقة لا نتحدث عن السياسة فقط… بل عن القوة… والمال… والسيطرة على العالم.
السؤال الذي يطرحه كثير من المفكرين السياسيين هو: إذا كانت الولايات المتحدة قد نجحت في بناء إمبراطورية عالمية… فمن هو الإمبراطور الحقيقي؟
من الواضح أن رؤساء الولايات المتحدة ليسوا هم الأباطرة بالمعنى التقليدي.
الرئيس يأتي عبر الانتخابات… يبقى لفترة محددة… ويخضع لضغوط سياسية واقتصادية وإعلامية.
أما الإمبراطور الحقيقي… فهو من لا يُنتخب… ولا تنتهي سلطته… ولا يتلقى أوامر من أحد.
وهنا يظهر مفهوم: الـ Corporatocracy أي: "حكم الشركات الكبرى".
وهو المصطلح الذي يشير إلى تحالف ضخم بين: الشركات العملاقة والبنوك والمؤسسات المالية وجماعات النفوذ ووسائل الإعلام ومراكز القرار السياسي
بحيث تصبح هذه القوى هي الحاكم الفعلي للاقتصاد والسياسة العالمية.
السياسي الأمريكي بنيامين دزرائيلي — Benjamin Disraeli
قال ذات مرة: "العالم يحكمه أشخاص مختلفون تماماً عمّا يظنه أولئك الذين لا يرون ما يجري خلف الكواليس."
أما الرئيس الأمريكي الأسبق فرانكلين روزفلت — Franklin D. Roosevelt.
فقد أشار إلى أن القوى المالية الكبرى أصبحت تمتلك نفوذاً هائلاً داخل الحكومة الأمريكية منذ عصور مبكرة.
الفكرة هنا ليست وجود غرفة سرية يجلس فيها الجميع للتآمر… بل وجود مصالح اقتصادية ضخمة تتحرك في اتجاه واحد: تعظيم الأرباح والنفوذ.
لكن كيف تتحول الشركات إلى سلطة تعادل الحكومات؟
وكيف يصبح رجل أعمال… نائباً للرئيس؟
هنا تبدأ الصورة في الوضوح.
واحدة من أخطر الظواهر في النظام السياسي الأمريكي هي ما يسمى: "الباب الدوار"
أي الانتقال المستمر بين: المناصب الحكومية وإدارة الشركات الكبرى
فنجد شخصاً يعمل في شركة نفط أو سلاح… ثم يصبح مسؤولاً سياسياً رفيعاً… ثم يعود مرة أخرى إلى القطاع الخاص.
ومن أشهر الأمثلة: ديك تشيني —Dick Cheney الذي كان مديراً لشركة هاليبرتون — Halliburton ثم أصبح نائباً لرئيس الولايات المتحدة.
وكذلك جورج دبليو بوش — George W. Bush الذي ارتبط عمله مبكراً بقطاع النفط والطاقة.
وهكذا يصبح من الصعب أحياناً معرفة: هل السياسي يخدم الدولة؟ أم يخدم الشركات التي جاء منها؟
هذه الشركات لا تتحكم فقط في الاقتصاد… بل تمتلك نفوذاً هائلاً على وسائل الإعلام.
إما عبر الملكية المباشرة… أو عبر الإعلانات الضخمة… أو عبر تمويل الحملات الانتخابية.
فتصبح قادرة على: تشكيل الرأي العام ودعم سياسيين معينين وإقصاء آخرين
وبالتالي تتحول الديمقراطية تدريجياً إلى نظام تتحكم فيه القوة المالية.
لكن السيطرة لا تتوقف عند الداخل الأمريكي فقط… بل تمتد إلى العالم كله عبر أدوات أخطر: الديون… والبنوك… والمؤسسات المالية الدولية.
يرى منتقدو النظام الاقتصادي العالمي أن المؤسسات المالية الكبرى مثل: البنك الدولي صندوق النقد الدولي
مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي
تلعب دوراً أساسياً في إعادة تشكيل اقتصاديات الدول النامية.
ويقول هؤلاء إن العملية غالباً تمر بعدة مراحل:
أولاً: إغراق الدول بالديون
تُمنح الدولة قروضاً ضخمة بحجة التنمية والإصلاح.
لكن مع الوقت… تصبح الدولة عاجزة عن السداد. ... وهنا تبدأ الشروط.
ثانياً: تخفيض قيمة العملة
حين تنخفض قيمة العملة المحلية… تنخفض معها قيمة الأصول والموارد الوطنية.
فتصبح الشركات الأجنبية قادرة على شراء الثروات بأسعار زهيدة.
ثالثاً: تقليص الخدمات الاجتماعية
يُطلب من الدول خفض الإنفاق على: التعليم - الصحة - الدعم الاجتماعي
وهو ما يؤدي إلى زيادة الفقر والبطالة والاضطرابات الاجتماعية.
رابعاً: الخصخصة
أي بيع الشركات والمرافق العامة للقطاع الخاص أو للشركات الأجنبية.
ومن الأمثلة الشهيرة ما حدث في بوليفيا عام 1999، عندما تم خصخصة المياه في إحدى المدن الكبرى لصالح شركة مرتبطة بمؤسسة بكتل —Bechtel
وبعد ارتفاع أسعار المياه بشكل كبير… اندلعت احتجاجات شعبية واسعة انتهت بإلغاء الاتفاق.
خامساً: تحرير التجارة
أي فتح الأسواق المحلية بالكامل أمام الشركات الأجنبية.
لكن المشكلة أن الشركات العالمية الكبرى تمتلك إمكانيات ضخمة تجعلها قادرة على سحق الصناعات المحلية الصغيرة.
السؤال الأخطر أين نقف نحن من تلك المراحل؟ .... هل الجميع لا يعلم بتلك المراحل؟ ... هل الجميع لم يقرأ التاريخ ليعلم ماحدث في جميع البلدان التي تعرضت للاغتيال الاقتصادى من قِبل قراصنة الاقتصاد الامريكيين (ايران وبنما والاكوادور وفنزويلا والعراق وجامايكا)... وغيرهم من الدول؟ .... لماذا يصمت الجميع على ما تمر به البلاد؟ ... لماذا الاستمرار في الاقتراض رغم علم الجميع بخطورته؟ ... هل نحن في مؤامرة تدبر لنا؟ .... أم أننا نفعل ذلك عن جهل؟ ...، هل تمتلك الحكومة خطة لإنقاذ البلاد من التراجع أكثر من ذلك؟ .... ما هو المصير الذى نساق اليه دون مقاومة؟
الخروج من هذه الاذمة لايتحقق ببيع أصول الدول واراضيها ولا بتأجير قناة السويس كما يطالب فاقدى الانتماء.
إن الخروج من هذه الاذمة لن يكون الا بالصناعة والصناعة فقط، فأمريكا تسود العالم بشركاتها الصناعية والصين لولا الصناعة ما كانت لتنافس أمريكا والعالم ولم تكن لتفرض ارادتها على الجميع.
نحن منذ اكثر من عشر سنوان نسمع وعود من الحكومة بقرب انتاج شركة سيمنز للموبايل المصرى وإنتاج السيارة الكهربائية، بلا جدوى مثل كثيراً من وعودها، وعندما تم عمل سيارة بديل التكتك، تبين أنها اسوء من التكتك بمراحل، أين الصناعات السمكية التي انفقت عليها المليارات، أين صناعات التعدين، أين ما نسمعه ليل نهار عبر وسائل الاعلام عن افتتاح عشرات الالاف من المصانع، ماذا تنتج تلك المصانع وأين انتاجها.
ونتسائل منذ عام 2014 وحتى الان ما هي الصناعة التي نجحنا في انتاجها ونصدرها للخارج لكى تدر على البلاد عملة صعبة؟.... لاشئ.
لقد نجحت تلك المخططات في دول عديدة مثل جامايكا وبعض دول أمريكا اللاتينية.
لكن تأثير هذه الشركات لا يتوقف عند الاقتصاد فقط… بل يمتد أيضاً إلى البيئة… والإنسان… وحتى مستقبل الشعوب.
اليوم… هناك شركات أصبحت ميزانياتها أقوى من اقتصادات دول كاملة.
شركات مثل: ExxonMobil -- General Motors -- Walmart
تمتلك نفوذاً اقتصادياً هائلاً يتجاوز أحياناً دولاً بأكملها.
كما واجهت بعض الشركات النفطية اتهامات تاريخية بالتسبب في أضرار بيئية واسعة، ومنها قضايا مرتبطة بشركة Texaco التي أصبحت لاحقاً جزءاً من Chevron في الإكوادور ومنطقة الأمازون.
هذه القضايا طرحت سؤالاً خطيراً: هل أصبحت الأرباح أهم من الإنسان والبيئة؟
في النهاية يمكننا القول
أن الإمبراطوريات في الماضي… كانت تُبنى بالسيوف والجيوش.
أما اليوم… فقد تُبنى بالبنوك… والشركات… والإعلام… وأسواق المال.
الإمبراطور الحديث لا يجلس على عرش ذهبي… بل خلف شاشات البورصة… وفي مجالس إدارة الشركات الكبرى.
وحين ننظر إلى العالم اليوم… قد نكتشف أن الصراع الحقيقي لم يعد فقط بين الدول… بل بين الشعوب… والقوى الاقتصادية العابرة للحدود.
ويبقى السؤال المفتوح: هل ما نراه اليوم هو تطور طبيعي للرأسمالية العالمية؟
أم أن العالم دخل بالفعل عصر "الإمبراطورية الاقتصادية الخفية"؟
الحلقة القادمة بعنوان: "المحافظون الجدد… كيف صاغوا مشروع الهيمنة الأمريكية على العالم؟" ستكشف ملفات أشد خطورة… وأكثر إثارة.