ثمة حُكام نعرفهم من قوائم الملوك، وحُكام نعرفهم من الحروب التي خاضوها دفاعًا عن أوطانهم ضد الغازي أو المعتدي، وآخرون تركوا أسمائهم على جدران المعابد والتماثيل. أما زوسر أو نثرخيت، كما عُرف في عصره، فمن الصعب أن تمر به بهذه البساطة، ففي حضرته تشعر بأنه رجل ترك أثره في صورة فِكر وعلم.
ربما لهذا أحب زوسر.
أحبه كلما وقفت أمام هرم سقارة المدرج، ونظرت إلى تلك الكتل الصاعدة للسماء فوق الصحراء. فمن السهل بعد آلاف السنين من أهرامات الجيزة أن نرى فيه هرمًا أوليًا، تجربة سبقت الجيزة، ومرحلة في تطور العمارة المصرية القديمة، لا شك أن وراءها نراكمًا طويلًا من المحاولات والخبرات، كان من شواهدها في الأسرة الثانية الملك خع سخموي، الذي انتهى عهده لتنتقل البلاد إلى مرحلة جديدة كان زوسر أحد أبرز صانعيها.
وأحبه أكثر كلما تخيلت أنني أقف أمام هذا الهرم في القرن السابع والعشرين قبل الميلاد، حين لم يكن الكون كله قد عرف بناء يماثله في حجمه وطموحه، عندها يتغير المشهد كله.
كانت المقابر قائمة، وكانت الدولة المصرية قد قطعت قرونًا طويلة من التنظيم والإدارة، ثم جاء هذا المشروع الذي أخذ الحجر، ورفعه طبقة فوق طبقة، حتى أصبح البناء نفسه نواة لشيء أعظم، وإعلانا عن حضارة ستعانق السحاب.
ولا أنسى تلك الأختام التي تحمل اسم نثرخيت، زوسر، والتي عثر عليها بمقبرة الملك خع سخموي بأبيدوس، وكأن الملك الجديد كان حاضرًا في اللحظة التي أغلق فيها باب عهد، وبدأ باب عهد آخر ينفتح.
لهذا يصعب علي أن أتصور زوسر وقد ظهر فجأة في سقارة مكتمل الصورة، لكنني أراه قادمًا من عالم أقدم، من الجنوب حيث أبيدوس، أرض البدايات الملكية وذاكرة الأجداد، من أرض عرفت السجلات والكتبة والتنظيم والإدارة وتراكم المعرفة، ثم يحمل كل ذلك شمالًا ليضعه في صيغة أكثر اتساعا وثقة.
وفي سقارة تحدث المعجزة.
هنا التقى الملك زوسر بإمحوتب.
أحدهما ملك أراد مشروعًا بحجم دولة، والآخر عقل استطاع أن يحول الحجر إلى حضارة، وظل اسم إمحوتب، وريث سجلات المعرفة المقدسة، ملازمًا لزوسر حتى تجاوز الرجلان زمنهما بقرون طويلة.
ومع ذلك، فإن مجمع الملك زوسر أكبر من أن نختزله في سؤال: من بنى أول هرم؟
فحين تعبر سور المجمع تشعر بأنك تدخل عالمًا صُنع بعناية ليعيد بناء الدولة داخل ساحة مقدسة. سور هائل يحتضن المكان، مداخل وساحات مقاصير، فناء للاحتفال بالأعياد، وقبر جنوبي، وسرداب يجلس فيه الملك محدقًا إلى الأبدية من ثقبين صغيرين، ثم هرم يرتفع في قلب هذا العالم.
وفي باطن الأرض تمتد ممرات وغرف، ويظهر القيشاني الأزرق كأنه عالم آخر مخبأ تحت الرمال. فوق الأرض يرتفع الهرم للسماء، بينما تتجسد في الأعماق متاهة الذاكرة والموت والتحول.
لهذا أحب سقارة أكثر كلما تأملتها، لأنها تخبرني كيف تحولت المعرفة المتراكمة عبر أجيال من شعب جيبتا إلى تطبيق هائل على الأرض، أدهش العالم وبقى أثره حتى اليوم.
كم ملكًا يستطيع أسمه أن يعيش في وجدان شعبه؟
وربما هنا يوجد سر زوسر الحقيقي.
ملك لم يكن صاحب أكبر هرم، بل لم يصل هرمه للكمال الهندسي الذي ستبلغه الأهرامات من بعده، ولم تملأ تماثيله المتاحف كما فعل الملك رمسيس الثاني، ومع ذلك، حين تبحث عن اللحظة التي بدأت فيها أرض جيبتا/ كِمت تنظر إلى إمكاناتها بثقة جديدة، ستجد ظله واقفًا هناك، يشعل سراج عصر كامل.
في عهده أصبح الحجر مادة لمشروع هائل، وأثبت جهاز الدولة أصبح قدرته على حشد العمال والحرفيين والمهندسين وتنظيمهم وتدريبهم، وتأمين الإقامة والإعاشة، والتخطيط لسنوات من العمل المتواصل، وتحولت السلطة الملكية إلى مشهد مادي هائل يراه الناس، ثم يبقى شاهد عليهم بعد آلاف السنين.
بعد زوسر سيأتي عصر الأهرامات.
سيواصل سنفرو التجريب على الطريق الذي فتحه عهد زوسر، تتغير الزوايا وتتطور تقنيات البناء ويقترب الهرم من صورته الكاملة، ثم يبلغ هذا المسار أحدى أعظم ذراه في عهد خوفو، وتصبح الأهرامات اللغة الكبرى لشعب جيبتا.
لهذا، عندما أقف أمام زوسر لا أستطيع أن أراه مجرد ملك من الأسرة الثالثة.
خلفه دولة قديمة ورثت آلاف التجارب الصغيرة، وأمامه دولة ستدخل عصر الأهرامات وتصبح واحدة من أعظم القوى المنظمة في العالم القديم.
ربما كان يرى مصر التي يريدها.
ولعل أجمل ما فعله زوسر، أنه ترك لنا هذا الشعور الغريب بأن الحضارة، في لحظة ما، تستطيع أن تدرك قوتها فجأة... أن تنظر لما فعلته بالأمس، ثم تقول:
يمكننا أن نفعل أكثر.
ولهذا ما زلت كلما رأيت هرمه يرتفع فوق صحراء سقارة، أشعر بأنني أنظر إلى لحظة نادرة في تاريخ الإنسان.
اللحظة التي بدأ فيها الحلم يصعد بالحجر.