هناك مسؤولون ينزلون إلى الشارع بحثًا عن المشكلة، وهناك مسؤولون ينزلون بحثًا عن الصورة. وبين الاثنين مسافة شاسعة؛ فالأول ينزل ليغير الواقع، والثاني قد ينتهي به الأمر إلى تغيير المشهد فقط. وما شهدناه مؤخرًا من بعض الجولات الميدانية، وما صاحبها من تعنيف لمديري مدارس، بل ونقل أحدهم بسبب ارتدائه الجلباب، إلى جانب تعنيف مديرة مدرسة وتوجيه اللوم إليها قبل التحقق الكامل من حقيقة الواقعة، يفرض علينا أن نتوقف قليلًا أمام طريقة إدارة الملفات، لا أمام الجولات نفسها.
ليس عيبًا أن ينزل المحافظ إلى الشارع، بل إن وجوده بين المواطنين ومتابعته للخدمات على الطبيعة من صميم مسؤولياته، وليس عيبًا أن توثق أجهزة المحافظة هذه الجولات، فالتواصل مع المواطنين والإعلام عن جهود الدولة أمران مطلوبان. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الكاميرا من وسيلة لتوثيق العمل إلى وسيلة لإصدار الأحكام، وعندما يصبح الانطباع الأول أقوى من الحقيقة، والصوت الأعلى أهم من الاستماع، والتوبيخ أمام الناس دليلًا على الحزم.
الحزم ليس انفعالًا، وهيبة المسؤول لا تُبنى بإحراج موظف أمام الكاميرات، وإنما بعدالة القرار واحترام الإنسان. وإذا كان مدير المدرسة قد أخطأ، فليُحاسب، وإذا كان مقصرًا، فليتحمل مسؤوليته، لكن المحاسبة الحقيقية تبدأ أولًا بالتحقق والاستماع إلى جميع الأطراف، ثم اتخاذ القرار وفقًا للقواعد. أما أن يصدر الحكم في لحظة، ثم تظهر لاحقًا تفاصيل أخرى تغير الصورة، فهنا يتحول الحزم إلى تسرع، ويتحول القرار الإداري إلى أزمة كان يمكن تجنبها.
والأمر ذاته ينطبق على واقعة مديرة المدرسة التي تعرضت للتعنيف وتوجيه اللوم إليها قبل معرفة الحقيقة كاملة. فالمسؤول الكبير لا يفترض أن يحكم من مشهد عابر أو رواية واحدة، وإنما عليه أن يستمع ويتحقق ويدقق، لأن القرار الذي يصدر دون معرفة الحقيقة قد يظلم شخصًا، ويهز صورة مؤسسة، ويبعث برسالة خاطئة إلى آلاف العاملين.
أما مسألة نقل مدير مدرسة لمجرد ارتدائه الجلباب، إذا ثبتت تفاصيلها كما تم تداولها، فهي تفتح سؤالًا أكثر وضوحًا: هل تقاس كفاءة مدير المدرسة بملابسه ومظهره، أم بانضباط مدرسته، وأداء العاملين بها، ومستوى الطلاب، وقدرته على الإدارة؟ المظهر ليس معيارًا للكفاءة، والانضباط الإداري لا يعني فرض شكل واحد على الجميع، وإنما يعني تطبيق قواعد واضحة ومعلنة على الجميع دون تمييز أو انتقائية.
المحافظ الناجح ليس الأكثر ظهورًا أمام الكاميرات، ولا الأكثر قدرة على إصدار الأوامر في لحظتها، وإنما الأكثر تأثيرًا في حياة الناس. المواطن لا يعنيه أن يرى المحافظ يقف أمام حفرة إذا ظلت الحفرة موجودة بعد مغادرته، ولا أن يدخل مستشفى أمام عدسات التصوير إذا بقيت الخدمة متعثرة، ولا أن يسمع عشرات التصريحات إذا لم ير تغييرًا حقيقيًا على الأرض.
الجولة الناجحة تبدأ بتشخيص المشكلة وتنتهي بحلها. وإذا وجد المسؤول تقصيرًا، فعليه أن يعرف سببه، ومن المسؤول عنه، وما الإجراء المطلوب، ومتى سيظهر أثره. أما تحويل كل جولة إلى مشهد مصور ينتهي بانتهاء التصوير، فهذا لا يصنع إدارة ناجحة، بل يصنع صورة مؤقتة عن إدارة ناجحة.
الأخطر أن التسرع أمام الكاميرات قد يخلق ثقافة يخشى فيها المسؤولون والموظفون من إبداء الحقيقة، لأنهم يعلمون أن الخطأ في المشهد قد يكون أسرع من التحقيق، وأن الحكم قد يصدر قبل أن تُسمع روايتهم. وهنا نخسر شيئًا أخطر من مجرد موقف عابر؛ نخسر بيئة العمل التي تحتاج إلى الصراحة والإنصاف حتى تستطيع المؤسسات أن تتطور.
المحافظ ليس مطالبًا بأن يكون أكثر المسؤولين صخبًا، وإنما أكثرهم عدلًا. قوته الحقيقية أن يستمع قبل أن يحكم، ويتحقق قبل أن يعاقب، ويصحح قبل أن يعلن، ويحاسب المخطئ دون أن يهدر كرامته.
فالمواطن لا يريد صورة مع المحافظ، وإنما يريد طريقًا صالحًا، ومدرسة منضبطة، ومستشفى يقدم خدمة حقيقية، ومرفقًا يعمل، ومسؤولًا يسمع شكواه ويتابعها حتى النهاية.
وفي النهاية، التاريخ لا يحتفظ بعدد الصور التي التقطها المسؤولون، وإنما بما تركوه خلفهم من مشكلات انتهت، وخدمات تحسنت، ومواطن شعر أن الدولة تقف إلى جواره. لذلك يجب ألا تكون الكاميرا هي التي تقيس نجاح المحافظين، ولا أن تكون الجولة محكمة متنقلة لإصدار الأحكام. اجعلوا الحقيقة تسبق الحكم، والاحترام يسبق العقوبة، والإنجاز هو الصورة الوحيدة التي تستحق أن تُنشر.