عاجل

قبل أن تُخصَّص للأنهار أيامٌ عالمية بآلاف السنين، عرف المصري القديم مواسم للاحتفال بنهره، يأتي بعضها متزامنا مع بلوغ الفيضان مداه المنتظر. ومن هنا ارتبط في الذاكرة المصرية احتفالٌ عُرف في عصور لاحقة باسم وفاء النيل.
وهو الاسم الذي نتعامل معه اليوم بوصفه احتفالًا من احتفالات الذاكرة الشعبية المصرية، بينما تعود جذور الاحتفال إلى مواسم الفيضان التي عرفها المصريون منذ العصور القديمة، حين كان وصول مياه النيل إيذانًا ببداية دورة جديدة من الحياة.
ولأن الأمر لم يكن متروكاً للتخمين، أقام المصريون على امتداد الوادي منشآت لقياس ارتفاع المياه، لا تزال بقاياها قائمة حتى اليوم؛ بئر دائري ينزل إليه سلّم حلزوني في كوم أمبو، وجدار بدرجٍ هابط إلى الماء في الفنتين. وعلى هذه الدرجات كان يُقرأ رقمٌ واحد يحدد مصير عامٍ كامل.
وكان لكل ارتفاع دلالته؛ فعند اثنتي عشرة ذراعاً يحل القحط وتقل المحاصيل، وعند أربع عشرة ذراعاً يتوافر الطعام للجميع، وعند ست عشرة ذراعاً يعم الخير وتمتلئ المخازن. وهكذا صار رقم المقياس وحده كافياً لتقدير الحصاد وتحديد الضرائب وترتيب حياة البلاد كلها.
أما كيف كان المصري يعرف أن موسم النيل اقترب، فقد كانت السماء تمنحه إحدى علاماته؛ إذ ارتبط ظهور نجم الشِّعرى اليمانية قبيل شروق الشمس ببداية السنة المصرية، وتزامن ظهوره تقريبًا مع موسم ارتفاع مياه النيل. وهكذا وجد المصري نفسه يقرأ نهره في النجوم كما يقرأه في الحجر.
ومن هذه الدورة السنوية تشكل تقويمٌ ارتبط بحياة النهر والزراعة، فقسم المصري القديم سنته إلى ثلاثة فصول: "أخِت"، فصل الفيضان؛ و"برِت"، فصل الإنبات والنمو؛ و"شِمو"، فصل الحصاد. وقد ارتبطت هذه الفصول بدورة الأرض بعد الفيضان، من انحسار المياه وظهور التربة، إلى نمو المحاصيل ثم جمعها.
وبقيت أسماء الشهور المصرية القديمة حاضرة في التقويم القبطي، ولا تزال الأمثال الشعبية تختصر خبرة آلاف السنين في جملٍ قصيرة، وقع كل منها في موضعه من دورة النهر.
فحين يقول الفلاح "توت ري ولا تموت"، فإنه يربط بداية السنة الزراعية بمرحلة مهمة من دورة الأرض، حين يبدأ انحسار مياه الفيضان ويتهيأ الفلاح للزراعة. ثم يأتي "هاتور أبو الدهب المنثور"، فيرتبط هاتور في الموروث الزراعي بزراعة القمح وما ينتظره الفلاح من خير المحصول.
أما "برمهات روح الغيط وهات"، فهو من أشهر الأمثال المرتبطة بوفرة المحاصيل ونضجها، حين يصبح الذهاب إلى الغيط عودةً بما أعطته الأرض. وفي "مسرى" تستعيد الذاكرة الشعبية صورة الماء الجاري في الترع، مع اقتراب موسم الفيضان من جديد، فتكتمل دورة السنة وتعود الحكاية إلى بدايتها.
ثم جاءت العصور التالية فسجل المؤرخون تفاصيل انتظار النهر، وارتبط ارتفاع منسوبه بمواسم واحتفالات كبرى، من بينها احتفال فتح الخليج في القاهرة، حين كان وصول المياه إلى منسوب معين إيذانًا بفتح القناة، وسط الزينة، والمواكب والهتافات.
ولمن أراد أن يرى أثر الفيضان في الذاكرة المصرية الحديثة، يكفي أن يعود إلى مشاهد فيلم "ابن النيل" عام 1951، حيث تظهر المياه وقد غمرت الأراضي والمنازل في القرى المصرية. وبعد سنوات قليلة انتقلت مصر إلى مرحلة جديدة في علاقتها بالنهر؛ فبدأ تنفيذ مشروع السد العالي عام 1960، وأصبح بالإمكان تنظيم تدفق المياه وتخزينها للاستفادة منها.
ومع ذلك بقي للعيد موعده في الذاكرة المصرية الحديثة؛ إذ يرتبط "وفاء النيل" اليوم بالخامس عشر من أغسطس، في توقيت يتزامن تقريبًا مع موسم ارتفاع مياه النيل الذي كان المصريون يترقبونه قديمًا.
وهكذا تراكمت عبر الزمن صور علاقتنا بالنيل؛ في التقويم والأمثال والأعياد والحكايات والأفلام، ثم في المشروعات التي غيّرت طريقة التعامل مع النهر. ولكن بقيت الذاكرة حاضرة بيننا، وكل ما تحتاجه فقط أن نعيد قراءتها ونرويها من جديد.
 

تم نسخ الرابط