عاجل

غسان شربل: قيام إسرائيل بعد 5 سنوات من نشأة لبنان أثّر على مساره

الكاتب الصحفي، غسان
الكاتب الصحفي، غسان شربل

كشف الكاتب الصحفي غسان شربل، رئيس تحرير صحيفة «الشرق الأوسط»، تفاصيل رؤيته بشأن عدد من القضايا والتطورات السياسية الراهنة في لبنان.

وأوضح شربل، خلال حديثه في بودكاست «رؤية أخرى»، الذي يقدمه الإعلامي عبداللطيف المناوي عبر شبكة «الشرق»، أنه لم ينتمِ خلال مسيرته إلى تيار سياسي محدد، مؤكدًا أن تجربته الصحفية قامت على الانفتاح على مختلف الأطراف والقدرة على الحوار مع الجميع.

وقال شربل إنه، مثل كثير من الشباب في مرحلته العمرية، كان يتحمس لبعض القضايا والأفكار التي كانت رائجة عالميًا، لكنه سرعان ما كوّن موقفًا نقديًا من الخطابات المطلقة والحادة التي تلغي الآخر أو تدعي احتكار الحقيقة.

وأضاف أن مشاهدته لبعض ممارسات الاتحاد السوفيتي، ومنها ما حدث في تشيكوسلوفاكيا، جعلته يدرك أن الانبهار بفكرة سياسية إلى درجة تخوين الآخرين أمر غير صحيح، موضحًا أنه تبنى منذ وقت مبكر مبدأ ضرورة وجود قدر من الشك تجاه الأفكار، بهدف التدقيق فيها وعدم التسليم بها بصورة مطلقة.

الحوار مع الجميع

وأشار شربل إلى أنه عندما دخل مجال الصحافة اتخذ قرارًا بإعطاء الأولوية للقدرة على التحدث إلى جميع الأطراف، حتى لو اضطر أحيانًا إلى التضحية بجملة أو موقف في مقال.

وأوضح أنه تمكن خلال مسيرته من محاورة مختلف السياسيين اللبنانيين، على اختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم، ومن بينهم نبيه بري وحسن نصر الله وسمير جعجع وأمين الجميل، معتبرًا أن هذه القدرة تمثل قيمة مهمة للعمل الصحفي، خصوصًا في بلد شديد الانقسام.

الصحافة قبل العلاقات الشخصية

ونفى شربل تعرضه لضغوط أو «علاوات» واضحة من الأطراف السياسية بسبب عمله الصحفي، لكنه أشار إلى أن بعض الشخصيات التي كان يحاورها كانت تتحفظ أحيانًا عندما ينتقدها لاحقًا، باعتبار أن العلاقة الشخصية قد تفرض نوعًا من الالتزام.

وقال إنه كان حريصًا على ألا تتحول علاقته بالسياسيين أو المتحدثين إلى صداقات شخصية تفرض عليه التزامات مهنية، مؤكدًا أن لديه علاقات قوية مع بعض الشخصيات استمرت لعقود، لكنها لم تتقدم في أي وقت على عمله الصحفي.

وأضاف: «كنت دائمًا أعتقد أنه يجب أن تتقدم الصحافة على الشخص الذي نسجت معه علاقات»، مشيرًا إلى أن هذا الموقف قد يسبب بعض الخسائر، لكنه يحافظ على استقلال الصحفي.

«النهار».. مدرسة في الصحافة

وتحدث شربل عن بداياته المهنية في صحيفة «النهار» اللبنانية، مؤكدًا أن دخوله إلى عالم الصحافة جاء بالصدفة، بعدما اقترح عليه صديق وزميل له، كان يعمل في الصحيفة، أن يخوض التجربة.

وأوضح أنه درس التربية وعلم النفس في الجامعة، قبل أن ينتقل إلى «النهار»، التي وصفها بأنها كانت «مدرسة حقيقية في الصحافة العربية والسياسة العربية».

وأشار إلى أن الصحيفة كانت تتمتع بتقاليد مهنية صارمة، وأن نشر اسم الصحفي على الصفحة الأولى كان يتطلب أن يكون مستحقًا لذلك، مؤكدًا أن المؤسسات الصحفية في تلك الفترة كانت أشبه بالكليات التي يتعلم فيها الصحفي من أصحاب الخبرة ومن تعاقب الأجيال.

وقال شربل إن من حسن حظه أنه وجد أساتذة في بداياته المهنية اهتموا به وشجعوه وعلموه، معتبرًا أن وجود هؤلاء الأشخاص كان عنصرًا مهمًا في تكوينه الصحفي.

استقلال الصحيفة عن الضغوط السياسية

وأوضح شربل أن صحيفة «النهار» نجحت، رغم الانقسامات السياسية والطائفية الحادة التي شهدها لبنان، في الحفاظ على مساحة تجعل مختلف الأطراف تقرأها وتحترمها حتى عندما تختلف معها.

وأرجع ذلك إلى المدرسة المهنية التي أسسها وأثر فيها غسان تويني، إضافة إلى انفتاح عدد من العاملين في الصحيفة على التجارب الغربية في العمل الصحفي.

وأشار إلى أنه لم يُطلب منه خلال عمله في «النهار» أن ينحاز إلى طرف سياسي بعينه، مستشهدًا بموقف سمعه ذات يوم لضابط سوري كان يهدد مدير الصحيفة، وكان رد إدارة الصحيفة أن الأفضل إغلاقها على أن تكون تحت أمر أي طرف.

حرية الصحافة مرتبطة بالمسؤولية

وأكد شربل أنه حافظ خلال توليه مسؤوليات تحريرية على المبدأ نفسه، موضحًا أنه لم يكلف صحفيًا بعمل يتناقض مع المعايير المهنية.

وقال إنه كان يحرض زملاءه على ممارسة أقصى درجات الحرية الممكنة في إطار المعقول، مشددًا على أن «الحرية لا تنفصل عن المسؤولية».

وأضاف أن الشكوى من غياب الحرية ليست دائمًا مبررًا كافيًا لتراجع مستوى العمل الصحفي، موضحًا أن الواقع غني بالموضوعات التي يمكن للصحفي تناولها ومعالجتها بصورة مهنية وراقية.

وأشار إلى أن الصحفي يمتلك أدوات متعددة للتعبير، من بينها اختيار الموضوع وطريقة المعالجة واللغة والإيحاءات، مؤكدًا أن وجود سقف للحرية لا يعني بالضرورة استحالة تقديم صحافة جيدة.

لبنان.. فكرة متقدمة أضاعها أبناؤها

وحول أسباب وصول لبنان إلى حالة الانقسام الراهنة، قال شربل إن «فكرة لبنان كانت متقدمة على وقتها»، لأنها قامت على الاعتراف بالآخر ومحاولة الوصول إلى نقطة مشتركة بين مكونات المجتمع المختلفة.

وأوضح أن طبيعة لبنان تقوم على وجود جار لا يشبهك، ما يفرض عليك أن تفهم مخاوفه وأن يفهم مخاوفك، وصولًا إلى نقطة تحقق قدرًا من الطمأنينة للطرفين.

وأضاف أن هذا التنوع، إلى جانب النظام الديمقراطي، كان يمثل تجربة استثنائية، لكنه رأى أن لبنان كان «سيئ الحظ» منذ نشأته، خاصة أن قيام إسرائيل جاء بعد ولادته بخمس سنوات، فضلًا عن أن الجغرافيا السياسية كثيرًا ما دفعت لبنان إلى ظروف وأزمات قاسية.

تم نسخ الرابط