ماذا لو كنتُ أنا المخطئ؟
بهذا السؤال انتهت رحلتنا السابقة داخل عقل المتطرف؛ ذلك العقل الذي يستطيع أن يحمل الفكرة ونقيضها، وأن يعيد تسمية الخطيئة حتى تستقيم مع ضميره، وأن يبدّل ميزان الأخلاق كلما اقتضت الضرورة حماية مشروع جماعته وتمكينها.
وما انتهينا إليه في المقال السابق، هو ما سنبدأ منه في هذا المقال.
فما الذي يتبقى من المتطرف إذا عصفت به رياح التساؤل؟ وكيف يواجه تلك اللحظة المريرة التي يكتشف فيها أن ولاءه الطويل ربما كان لوهم، وأن أولئك الذين وسمهم يومًا بالخيانة كانوا أبعد نظرًا منه؟
في تلك اللحظة الحاسمة، لا يجد الإنسان نفسه في مواجهة أيديولوجيا مغلوطة فحسب، بل يكتشف أنه بات وحيدًا في خندق المواجهة أمام الجماعة التي احتضنته يومًا، ومنحته يقينها، ثم أقنعته طويلًا بأن العالم يبدأ عند حدودها وينتهي عندها.
ويُمثل التفكير المستقل التهديد الأكبر داخل التنظيمات المغلقة، ليس لأن الفرد يرفض الاعتراف بالخطأ، بل لعلمه بالتبعات القاسية لهذا الاعتراف.
فالجماعة تتجاوز تلقين الأفكار إلى الهيمنة الكاملة على هوية الفرد الاجتماعية، والنفسية، والمعرفية.
وتكمن المعضلة السياسية والوجودية هنا في أن التخلي عن المنظومة الفكرية للجماعة يعادل عملياً هدم الهوية الشخصية للفرد
حين تكذب عيناك لأن الجماعة ترى غير ما ترى
في خمسينيات القرن العشرين أجرى عالم النفس الاجتماعي البولندي الأمريكي سولومون آش Solomon Asch (1907–1996) سلسلة تجارب أصبحت من أشهر دراسات الامتثال الاجتماعي.
كانت المهمة شديدة البساطة: خطوط متفاوتة الأطوال، وعلى المشارك تحديد الخط المطابق لخط آخر.
لا فلسفة، ولا عقيدة، ولا سياسة.
لكن آش وضع المشارك الحقيقي وسط مجموعة اتُفق معها مسبقًا على تقديم إجابة خاطئة في جولات محددة.
وكانت المفاجأة أن ضغط الإجماع دفع عددًا معتبرًا من المشاركين إلى مسايرة الإجابة الخاطئة في بعض الجولات، رغم بساطة المهمة ووضوح ما تراه العين.
وهنا تبدأ مأساة العقل المتطرف .
فإذا كان الإنسان قد يشك في حكمه أمام جماعة من الغرباء في مسألة تتعلق بطول خط مرسوم على ورقة، فماذا يحدث عندما يكون المختلف عليه ايدولوجيا متطرفة عاش داخلها سنوات وسنوات ، والجالسون حوله إخوته في الجماعة الإرهابية ورفاقه وقياداته؟
إن الجماعة لا تحتاج دائمًا إلى أن تقول لأعضائها: لا تفكروا.
يكفي أحيانًا أن تجعل ثمن التفكير - مختلفًا عن الجماعة - مرتفعًا.
الجماعة تفكر بدلًا منك
ويأخذنا عالم النفس الأمريكي إرفينج جانيس
Irving Janis (1918– 1990 )
إلى مرحلة أكثر خطورة عبر مفهوم » التفكير الجمعي« Groupthink.
حيث درس جانيس كيف يمكن لجماعات شديدة التماسك أن تنتهي إلى قرارات سيئة، لا بسبب نقص الذكاء بين أفرادها، وإنما لأن المحافظة على الانسجام الداخلي قد تصبح أهم من اختبار البدائل الصحيحة والاعتراض على الافتراضات السائدة.
وحين تنتقل هذه الآلية إلى الجماعة الأيديولوجية المتطرفة ، تصبح أشد قسوة.
فالقيادة تعرف، والصف يثق، والمختلف يثير الريبة، والسؤال المزعج قد يتحول من أداة للمعرفة إلى علامة على ضعف الايمان !
وهكذا يتغير السؤال من:
هل هذه الفكرة صحيحة؟
إلى:
لماذا تشك فيها أصلًا؟
وفي المسافة بين السؤالين تولد سلطان الجماعة المتطرفة على العقل البشري .
فالعقل المغلق لا يحتاج إلى حارس يقف أمام كل فكرة؛ يكفي أن يزرع الحارس داخل الرأس نفسه !!
حين يصبح الصمت دليلًا على الإجماع
لكن ماذا عن أولئك الذين يشكون فعلًا؟
هنا تفتح عالمة السياسة والاتصال الألمانية إليزابيث نويل-نيومان Elisabeth Noelle-Neumann (1916–2010)نافذة مهمة من خلال نظريتها الشهيرة »دوامة الصمت« Spiral of Silence.
فالإنسان يراقب المناخ المحيط به، وقد يتردد في إعلان رأي يعتقد أنه سيعرضه للعزلة الاجتماعية ، وتنشأ عندئذ مفارقة مذهلة.
قد يجلس عشرة أشخاص في غرفة، يشك خمسة منهم في الرواية، لكن كل واحد من الخمسة يتصور أنه الوحيد.
فيصمت.
ثم ينظر الآخرون إلى صمته فيحسبونه موافقة.
وبذلك لا يحمي الصمت الإجماع فحسب؛ بل قد يصنع وهم الإجماع.
وفي التنظيمات المتطرفة تصبح الآلية أكثر إحكامًا؛ لأن الخروج عن الرأي السائد لا يهدد علاقة عابرة، وإنما شبكة كاملة من الانتماء والاعتراف والتمويلات والمكانة.
أنا الجماعة.. والجماعة أنا
ويفسر عالم النفس الاجتماعي البريطاني هنري تاجفيل Henri Tajfel (1919–1982)، الذي ارتبط اسمه مع جون تيرنر John Turner (1947–2011)بتطوير نظرية الهوية الاجتماعية Social Identity Theory، طبقة أعمق من المشكلة.
فنحن لا نعرّف أنفسنا بوصفنا أفرادًا فقط؛ بل نستمد جزءًا من هويتنا من الجماعات التي ننتمي إليها.
وهنا يمكن أن تتحول المعركة حول الفكرة إلى معركة حول الذات.
إذا قلتَ للمتطرف إن جماعته أخطأت، فقد لا يسمع الجملة كما قلتها.
قد يسمع:
أنت أخطأت.
وإذا أخبرته أن قيادته خدعته، فقد لا يستقبلها كمعلومة عن القيادة، بل كإهانة لسنوات من حياته، وصداقاته، وتضحياته، وربما للسيرة التي كتبها عن نفسه في داخله.
ولهذا يصبح الدليل أحيانًا عاجزًا أمام الهوية.
فالدليل يطلب منك تعديل معلومة، بينما الهوية تخبرك أن قبول تلك المعلومة قد يهدم كينونتك.
السجن الذي يحمل اسم الوطن
أدرك إريك هوفر Eric Hoffer (1902–1983) في كتابه » المؤمن الصادق « The True Believer أن الحركات الجماهيرية تستطيع أن تمنح الإنسان الهارب من عبء ذاته ملاذًا في هوية جماعية أكبر منه.
وهنا نفهم لماذا لا يكون الانفصال عن الجماعة مجرد انتقال فكري.
فالذي عاش طويلًا داخل عالم يقسم البشر إلى «نحن» و«هم»، قد يكتشف عند خروجه أن العالم أصبح بلا خريطة.
من أصدقاؤه؟
من أعداؤه؟
من يمنحه الاعتراف؟
بل من يكون هو نفسه بعدما سقط الاسم الذي كان يختصر وجوده؟
وهنا تبلغ الحقيقة المطلقة إحدى أكثر حيلها دهاءً:
إنها لا تجعل الإيمان بها سهلًا فقط؛ بل تجعل مغادرتها مؤلماً .
حين يصبح الوهم أكثر أمانًا من الحقيقة
قد نخطئ إذا تصورنا أن المتطرف يرفض الحقيقة دائمًا لأنه لم يرها.
أحيانًا يراها.
وربما يفهمها أيضًا.
لكنه يلمح خلفها فاتورةً نفسية واجتماعية باهظة: الاعتراف بأنه أخطأ، وأن خصمه أصاب ، وأن سنوات من اليقين تحتاج إلى مراجعة، وأن الجماعة التي منحته هويته قد تنقلب عليه في اللحظة التي يستعيد فيها حقه في السؤال.
وعندئذ يصبح الوهم ملاذًا آمناً .
فأخطر ما تفعله الجماعة المتطرفة ليس أنها تمنع أتباعها من معرفة الحقيقة فحسب، وإنما أنها تستطيع أن تجعل كلفة الاعتراف بالحقيقة أعلى من كلفة الاستمرار في الوهم.
وهنا نصل إلى الامتداد الطبيعي لسؤالنا السابق.
ماذا لو كنتُ أنا المخطئ؟
لكن ربما كان السؤال الأصعب:
ماذا سيبقى مني إذا اعترفت بأنني كنت مخطئًا؟
وعند هذه العتبة يبدأ التحرر الحقيقي من أوهام الحقيقة المطلقة؛ عندما يستطيع الإنسان أن يخسر يقينًا دون أن يشعر أنه خسر نفسه، وأن يختلف مع جماعته دون أن يحتاج إلى عدو جديد، وأن يقف وحيدًا أمام المرآة ويكتشف أن التفكير خارج الصف ليس خيانة.
بل ربما كان أول شروط الحرية.
أن تستعيد حقك في أن تكون عقلًا... قبل أن تكون رقمًا في جماعة متطرفة.