عاجل

دار الإفتاء تكشف منهج التعامل مع النوازل المالية في العصر الرقمي

جانب من الدورة
جانب من الدورة

واصلت دار الإفتاء المصرية في دورة تدريبية جهودها العلمية والتدريبية الرامية إلى بناء تصور متكامل لصناعة الفتوى في القضايا المالية المستحدثة، من خلال الانتقال المنهجي من فهم الواقعة وتحرير أوصافها إلى التكييف الفقهي واستحضار القواعد والأصول، ثم دراسة الأدلة والترجيح والتطبيق وصياغة الحكم، بما يراعي طبيعة المعاملات الحديثة وتشابكها مع التطورات الاقتصادية والتقنية .

ضوابط الاختيار الفقهي في المعاملات المالية

أكد الدكتور علي محمد المهدي، أمين سر هيئة كبار العلماء، أن سلامة تصوير الواقعة هي نقطة الانطلاق في صناعة الحكم، مشيراً إلى أن المفتي لا يستطيع الوصول إلى حكم سليم اعتماداً على الوصف الظاهري للمعاملة أو الأسماء التي يطلقها المتعاملون عليها، بل يحتاج إلى معرفة أطرافها ومحلها وكيفية انتقال الملكية وآلية السداد والالتزامات والضمانات ومصدر التمويل وطريقة العائد والمخاطر والعقود المتصلة بها .

وأوضح المهدي أن طبيعة بعض المعاملات الحديثة قد تستدعي الاستعانة بالمتخصصين في الاقتصاد والمصارف والمحاسبة والقانون والتقنيات، حتى يكتمل التصوير قبل الانتقال إلى التكييف الفقهي والحكم الشرعي.

وأضاف أن الاختيار الفقهي لا ينحصر في المفاضلة بين أقوال متعددة أو البحث عن الرأي الأيسر، وإنما يقوم على موازنة علمية بين الدليل والمصلحة وآثار المعاملة، مع مراعاة الظروف والبيئات وتغير صور التعامل، بما يضمن حماية الحقوق وتحقيق التوازن في المعاملات .

القواعد الأصولية والفقهية الحاكمة

وتحت عنوان «القواعد الأصولية والفقهية الحاكمة للمعاملات المالية المعاصرة»، أبرز الدكتور محمود عبد الرحمن عبد المنعم، أستاذ أصول الفقه بجامعة الأزهر، الوظيفة المنهجية للقواعد الأصولية والفقهية في ضبط عملية الاجتهاد، مبيناً أن أصول الفقه تمنح الباحث أدوات النظر والاستدلال، فيما تجمع القواعد الفقهية فروعاً متعددة تحت معانٍ كلية تساعد على التعامل مع الوقائع المتجددة .

واستعرض القواعد الكبرى مثل: اليقين لا يزول بالشك، والضرر يزال، والمشقة تجلب التيسير، والعادة محكَّمة، مبيناً أن معالجة الضرر تقتضي إزالة المفسدة دون أن تنشأ عنها مفسدة مساوية أو أشد، وهو ما يجعل النظر في المصالح والمفاسد ومآلات الأحكام جزءاً أساسياً من صناعة الحكم .

مشروع فتوى في المعاملات المالية المعاصرة

وقدم الشيخ أحمد وسام عباس خضر، مدير عام الإدارة العامة للفتوى المكتوبة، محاضرة «مشروع فتوى في المعاملات المالية المعاصرة»، واضعاً نموذجاً إجرائياً لتحويل التأصيل الفقهي إلى خطوات عملية تبدأ بصياغة السؤال واستكمال بياناته وتصوير الواقعة وفهم المصطلحات المالية والتقنية، ثم تحديد التكييف الفقهي واستحضار الأصول والمقاصد وصولاً إلى الحكم والصياغة النهائية .

وأشار خضر إلى أن العمل المؤسسي داخل دار الإفتاء شهد تطوراً ملحوظاً مع التحول الرقمي، حيث أصبحت مراحل إعداد الفتوى وجمع البيانات ودراسة الحالة ومراجعتها وتحريرها أكثر ترابطاً داخل مسار إلكتروني متكامل، متناولاً تطبيقات القبض الحقيقي والحكمي في المعاملات المصرفية والتحويلات الإلكترونية، وضرورة التأكد من تحقق القبض وآثاره .

تحليل ونقد الفتاوى المالية

وعرض الدكتور محمود أنور شلبي، مدير عام إدارة المراجعة الشرعية، محاضرة «تحليل ونقد فتاوى مالية معاصرة»، متخذاً من نماذج فقهية ومالية مدخلاً لتدريب المشاركين على قراءة الفتوى وفحص بنيتها وإعادة بنائها، مع مناقشة مسألة بيع الشيء الغائب مع تأجيل الثمن والتمييز بينها وبين صور بيع السلم .

وأوضح شلبي أن الاستدلال بالحديث لا يكتمل بمجرد نسبة النص إلى مصدره، وإنما يحتاج إلى التخريج والحكم على الحديث وبيان وجه دلالته، كما أن كثرة النقول الفقهية لا تكفي وحدها لإثبات قوة الفتوى، وإنما العبرة باختيار الأدلة والنقول المرتبطة بالمسألة ووضوح وجه الاستدلال وحسن الترجيح .

وتتكامل هذه المحاور في تقديم منهج تدريبي ينظر إلى الفتوى المالية باعتبارها صناعة علمية متدرجة، تبدأ من استيعاب الواقع وتحرير الواقعة، ولا تنفصل عن أصول الفقه وقواعده ومقاصد الشريعة، ثم تنتقل إلى التكييف والترجيح والتطبيق والمراجعة، بما يعكس طبيعة العمل المؤسسي في دار الإفتاء المصرية وقدرته على مواكبة التحولات المتسارعة في الاقتصاد والتقنية .

تم نسخ الرابط