بعد القرار التاريخي للأمم المتحدة.. هل حان الوقت لأن نرى العالم كما هو؟.
في الرابع من سبتمبر 2026، لم يتغير شكل كوكب الأرض، ولم تتحرك القارات من أماكنها، ولم تتبدل حدود الدول، لكن شيئًا مهمًا حدث في طريقة نظر العالم إلى نفسه؛ فقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا تاريخيًا تحت عنوان «Correct the Map – صححوا الخريطة»، بأغلبية 164 دولة، مقابل صوت واحد رافض وستة امتناعات، داعية إلى تعزيز استخدام خرائط أكثر دقة في تمثيل الأحجام النسبية للقارات، وفي مقدمتها إسقاط «Equal Earth» الذي يعرض أفريقيا بمساحتها الحقيقية بصورة أكثر إنصافًا.
والقرار، رغم أنه غير ملزم قانونيًا ولا يلغي استخدام خريطة «ميركاتور» في المجالات التي تظل مناسبة لها، فإنه يفتح بابًا عالميًا واسعًا أمام سؤال يتجاوز الجغرافيا نفسها: هل كانت الصورة التي اعتدنا أن نرى بها العالم محايدة تمامًا؟.
ولعل أهمية هذا القرار لا تكمن فقط في الخريطة الجديدة، وإنما في النقاش الذي أعاد فتحه أمام العالم: العلاقة بين العلم والسياسة، وبين الجغرافيا والثقافة، وبين ما هو تشوه تقني وما يمكن أن يتحول بمرور الزمن إلى صورة ذهنية راسخة.
فحين ترى أجيال متعاقبة خريطة واحدة في الكتب المدرسية ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية، فإنها لا تتعلم أسماء الدول ومواقعها فقط، وإنما تبني أيضًا تصورًا بصريًا عن أحجام القارات ومكانتها النسبية في العالم.
ومن هنا يعود السؤال القديم بثوب جديد: هل كانت الخرائط محايدة حقًا؟.
ومن قال إن الخريطة مجرد خطوط وألوان ومساحات وحدود؟.
في الحقيقة، الخريطة يمكن أن تكون أكثر من ذلك بكثير؛ فهي صورة ذهنية للعالم، وأداة تعليمية، ووسيلة سياسية، وأحيانًا وثيقة تعكس الطريقة التي تنظر بها حضارة إلى نفسها وإلى غيرها.
ولهذا فإن النقاش الدولي المتجدد حول تصحيح طريقة تمثيل العالم على الخرائط يستحق أن نتوقف أمامه بجدية، ليس لأن القارات تغيرت أو لأن الحدود السياسية للدول ستتبدل، وإنما لأن السؤال الأهم هو: هل كانت الصورة التي اعتدنا أن نرى بها العالم دقيقة بالفعل؟.
أعتقد أن الإجابة تحتاج إلى قدر كبير من الهدوء والموضوعية.
خريطة «ميركاتور»، التي أصبحت واحدة من أشهر خرائط العالم، لم تكن مؤامرة ضد أفريقيا أو قد تكون ، ولم يصممها جيراردوس ميركاتور لكي يجعل قارة تبدو أكبر من أخرى أو أصغر منها أو قد يكون.
لقد كانت نتاجًا علميًا لعصرها، وصُممت أساسًا لتلبية احتياجات الملاحة البحرية.
لكن المشكلة بدأت عندما تحولت خريطة صُممت لهدف محدد إلى صورة شبه عامة للعالم تستخدم في التعليم والإعلام والثقافة دون أن يدرك كثيرون طبيعة التشوهات التي تحملها.
فخريطة ميركاتور تحافظ على الاتجاهات والزوايا بصورة ممتازة للملاحة، لكنها لا تحافظ على المساحات.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى.
وهنا يبرز سؤال آخر أكثر حساسية وإثارة للتفكير: إذا كانت خريطة ميركاتور تشوّه بالفعل الأحجام النسبية للقارات، فلماذا استمر اعتمادها وانتشارها بهذا الشكل الواسع لعقود طويلة، رغم وجود إسقاطات أخرى أكثر دقة في تمثيل المساحات؟ ولماذا ظلت أفريقيا تظهر بصريًا أصغر بكثير من حقيقتها؟.
لا أريد أن أذهب إلى اتهام تاريخي قاطع بأن واضع الخريطة تعمد الإساءة إلى أفريقيا، فهذا سيكون تبسيطًا لا يخدم الحقيقة العلمية ولا التاريخية لكن ممكن يكون هناك نوايا سيئة أو غير ذلك.
لكن من حقنا أن نسأل: هل كان وراء استمرار اعتماد هذا التصور العالمي، بعد أن أصبحت تشوهاته معروفة، إرثٌ ثقافي وسياسي تشكل في ظل ميزان قوى عالمي لم يكن متكافئًا؟ وهل يمكن أن تكون الخرائط، في بعض مراحل التاريخ، قد ساهمت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تكريس صورة معينة عن مركز العالم وأطرافه؟.
والسؤال يصبح أكثر إثارة بعد التصويت التاريخي في الجمعية العامة للأمم المتحدة في الرابع من سبتمبر 2026، عندما أيدت 164 دولة قرار «Correct the Map»، بينما كانت الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي صوتت ضده، مع امتناع ست دول عن التصويت.
وهنا لا يمكن تجاهل دلالة المشهد سياسيًا، حتى مع ضرورة الفصل بين التفسير العلمي للخريطة وبين النوايا السياسية لمن استخدموها.
فإذا كان المجتمع الدولي بأغلبية كاسحة يرى اليوم أن تمثيل أحجام القارات يحتاج إلى تصحيح، وإذا كانت أفريقيا هي المستفيد الأكبر بصريًا من هذا التصحيح، فإن من المشروع أن نسأل: لماذا ظلت صورة قارة بهذا الحجم الهائل تظهر على مدى أجيال وكأنها أصغر بكثير من حقيقتها؟.
هل كان ذلك مجرد نتيجة طبيعية لقيود الإسقاطات الخرائطية؟ أم أن استمرار الصورة وانتشارها عالميًا، خصوصًا في التعليم والإعلام والثقافة، سمح بترسيخ إرث بصري يتقاطع بطريقة أو بأخرى مع الإرث الاستعماري؟
وربما يكون السؤال الأكثر جرأة: إذا لم تكن هناك أي خلفيات أو مصالح أو تصورات سياسية وراء استمرار هذا التمثيل غير المتوازن، فما الذي يفسر كل هذا الإصرار التاريخي على صورة جغرافية ثبت علميًا أنها لا تعكس المساحات الحقيقية للقارات؟.
أما التصويت الأمريكي المنفرد ضد القرار، فقد يكون دليل على «نية سيئة» أو غير ذلك، لأن الموقف الأمريكي المعلن يمكن أن تكون له اعتبارات سياسية وأيديولوجية مختلفة يبحث من خلالها عن مصالحه.
لكن وجود الولايات المتحدة وحدها في خانة الرفض، مقابل 164 دولة مؤيدة، يفتح بالتأكيد بابًا واسعًا للتساؤل والنقاش حول لماذا أصبحت مسألة الخريطة قضية سياسية وثقافية إلى جانب كونها قضية جغرافية وتقنية.
وفي تقديري، لا ينبغي أن يكون هدفنا اتهام أشخاص رحلوا منذ قرون ، ولا إصدار أحكام تاريخية بلا أدلة، وإنما أن نمتلك الشجاعة لطرح الأسئلة التي ربما لم نطرحها من قبل.
لماذا صُغّرت أفريقيا بصريًا؟ ومن استفاد من هذه الصورة؟ ولماذا استمرت؟ ومن الذي يملك اليوم حق إعادة تعريف الصورة التي يرى بها العالم نفسه؟
هذه الأسئلة، في رأيي، هي التي تجعل قرار الأمم المتحدة أكبر بكثير من مجرد تغيير إسقاط خرائطي.
فجرينلاند قد تبدو على الخريطة أكبر بكثير مما هي عليه في الحقيقة، بينما تبلغ مساحة أفريقيا نحو 30 مليون كيلومتر مربع، أي أنها أكبر من جرينلاند بنحو 14 مرة.
إذن نحن أمام حقيقة علمية بسيطة: المشكلة ليست في الأرض، وإنما في طريقة إسقاط الأرض على الورق.
ولكن هل يمكن أن نتوقف هنا ونقول إن الموضوع انتهى؟
في رأيي، لا.
لأن الخريطة، عندما تصبح جزءًا من المناهج الدراسية والثقافة العامة، تتحول من مجرد أداة تقنية إلى عنصر من عناصر تشكيل الوعي.
الطفل لا يعرف في البداية الفرق بين الإسقاطات الخرائطية، ولا يعرف لماذا تبدو بعض القارات أكبر من غيرها، ولذلك فإنه يتعامل مع ما يراه باعتباره الحقيقة.
ومع تكرار الصورة سنوات طويلة، تصبح الخريطة جزءًا من الوعي البصري.
وهنا تكتسب المبادرة الأفريقية «Correct the Map – صححوا الخريطة» أهمية تتجاوز الجانب التقني.
فأفريقيا لا تقول إنها تريد مساحة أكبر على الورق، وإنما تقول بصورة أساسية: أظهرونا كما نحن.
وهذا مطلب مفهوم من الناحية التعليمية والثقافية، خصوصًا أن أفريقيا من أكثر القارات التي تتعرض للمقارنة البصرية غير الدقيقة عند استخدام إسقاطات تشوه المساحات.
لكنني أرى أن علينا أن نفرق بين أمرين: الأول هو الحقيقة العلمية المتعلقة بتشوه الخرائط.
والثاني هو التفسير السياسي والتاريخي لهذه الحقيقة.
فليس من الدقة القول إن خريطة ميركاتور اخترعت لتصغير أفريقيا أو لتكبير أوروبا، لأن هذا يتجاهل الهدف الأصلي للخريطة والظروف العلمية التي ظهرت فيها لكن القعقل يقول أن فيها إن.
لكن في الوقت نفسه، ليس من المنطقي تجاهل أن أي خريطة يمكن أن تؤثر في الطريقة التي يرى بها الإنسان العالم، وأن الخرائط عبر التاريخ ارتبطت فعلًا بالقوة والسيادة والاستكشاف والتوسع الاستعماري الذي كان ومازال هدفه الأول هو نهب ثروات الدول.
فمن يملك القدرة على رسم الخريطة وفرضها في الكتب والمدارس والمؤسسات، يمتلك جزءًا من القدرة على تشكيل الصورة الذهنية للمكان.
وهنا تصبح القضية أكثر عمقًا من مجرد مقارنة بين أفريقيا وجرينلاند.
إنها قضية تتعلق بسؤال أكبر:
من يرسم العالم؟ ومن يحدد الطريقة التي يجب أن نراه بها؟
لقد كانت الخرائط على مدى التاريخ أدوات للرحلات والاستكشاف والتجارة والحروب وتحديد الحدود وإدارة المستعمرات، ولذلك لم تكن دائمًا بعيدة عن السياسة.
لكن هذا لا يعني أن كل خريطة سياسية، ولا أن كل تشويه مقصود.
وهنا يجب أن نكون أكثر إنصافًا في الحكم.
فالقول إن كل ما في خريطة ميركاتور «استعمار» تبسيط مخل، والقول في المقابل إن الخرائط لا علاقة لها بالسياسة أو النفوذ عبر التاريخ هو أيضًا تجاهل لحقيقة تاريخية معروفة.
الحقيقة تقع في منطقة أكثر تعقيدًا بين الاثنين.
ومن هنا أرى أن استخدام إسقاطات متساوية المساحة مثل «Equal Earth» في التعليم والإحصاءات والمقارنات الجغرافية يمكن أن يكون خطوة إيجابية، بشرط ألا يتحول الأمر إلى إلغاء الإسقاطات الأخرى.
فلا توجد خريطة مثالية تصلح لكل شيء.
الأرض كروية، وأي محاولة لتمثيلها على سطح مستوٍ ستؤدي إلى نوع من التشويه.
إذا حافظنا على المساحة، فقد نخسر شيئًا من الشكل.
وإذا حافظنا على الاتجاهات، فقد نخسر شيئًا من المساحات.
وإذا حاولنا الحفاظ على المسافات، فسنواجه نوعًا آخر من التنازلات.
إذن الحكمة ليست في البحث عن «الخريطة الصحيحة الوحيدة»، وإنما في معرفة أي خريطة تناسب أي غرض.
وهذا درس تربوي بالغ الأهمية.
أما بالنسبة إلى أفريقيا، فأعتقد أن الوقت قد حان لكي نخرج من الصورة النمطية التي تجعل القارة تبدو في بعض الخرائط أصغر بكثير مما هي عليه.
أفريقيا قارة ضخمة، متنوعة، ذات ثقل جغرافي وبشري واقتصادي وحضاري هائل.
ومصر، التي تقع في قلب هذه القارة، تمتلك موقعًا لا يتكرر بسهولة في العالم؛ فهي نقطة التقاء بين أفريقيا وآسيا، وتطل على البحر المتوسط والبحر الأحمر، وتربط الشرق بالغرب عبر قناة السويس.
وعندما يرى الإنسان أفريقيا بحجمها الحقيقي، فإنه يبدأ في إدراك طبيعة المسافات والموارد والممرات الاستراتيجية وحجم الأسواق والفرص الموجودة داخل القارة.
وهنا تصبح الخريطة أداة لفهم المستقبل، وليس مجرد وسيلة لقراءة الماضي.
إنني أرى أن أكبر مكسب يمكن أن نخرج به من هذا النقاش هو أن نعلم أبناءنا ألا يصدقوا الصورة لمجرد أنهم اعتادوا رؤيتها.
علينا أن نسأل دائمًا:
لماذا رسمت الخريطة بهذه الطريقة؟
ما الذي تحافظ عليه؟
وما الذي تشوهه؟
ولماذا اختير هذا الإسقاط دون غيره؟.
هذه الأسئلة لا تخص الجغرافيا وحدها.
إنها تنطبق على الاقتصاد والسياسة والإعلام وحتى على الأرقام والإحصاءات.
فكما يمكن لإسقاط خرائطي أن يجعل قارة تبدو أصغر من حقيقتها، يمكن لطريقة عرض رقم أو رسم بياني أن تجعل واقعًا اقتصاديًا أو اجتماعيًا يبدو مختلفًا تمامًا.
وهنا أعتقد أن قرار الأمم المتحدة، وما أثاره من نقاش، يمثل فرصة لإعادة التفكير في مفهوم أوسع: ليس كل ما نراه هو الحقيقة كاملة.
وفي رأيي، فإن العالم لا يحتاج إلى حرب بين خرائط قديمة وجديدة، وإنما يحتاج إلى وعي جديد بوظيفة الخريطة.
يمكن أن تظل «ميركاتور» موجودة حيث تكون مفيدة، ويمكن استخدام «Equal Earth» عندما نريد مقارنة المساحات، ويمكن استخدام إسقاطات أخرى لأغراض أخرى.
المهم ألا نقدم أي واحدة منها للإنسان باعتبارها «العالم نفسه».
فالخريطة ليست الأرض.
الخريطة مجرد محاولة بشرية لرسم الأرض.
وهذه المحاولة، مهما بلغت دقتها، تظل اختيارًا بشريًا تحكمه أدوات العلم والغرض من الاستخدام.
ومن هنا فإنني أرى أن العبارة الأهم في هذا الملف ليست «إعادة رسم خريطة العالم»، لأن العالم لم يُعد رسمه بالفعل، وإنما إعادة النظر في الطريقة التي نرسم بها العالم.
أفريقيا لم تكبر.
وأوروبا لم تصغر.
وحدود الدول لم تتغير.
لكن ربما بدأ شيء أهم يتغير: وعينا بالصورة التي اعتدنا أن نرى بها كوكبنا.
وهذا في حد ذاته تطور يستحق الاهتمام.
فإذا كانت الخرائط تستطيع أن تغير نظرتنا إلى العالم، فإن تصحيح الخرائط يمكن أن يكون خطوة نحو تصحيح بعض الصور الذهنية التي ترسخت في وعينا عبر الزمن.
وفي النهاية، ليست القضية أن ننتصر لخريطة على حساب أخرى، وإنما أن ننتصر للحقيقة على حساب الوهم البصري.
العالم لم يتغير.. الأرض هي الأرض.. لكن العدسة التي ننظر من خلالها إليها أصبحت محل مراجعة.
وربما يكون هذا هو الدرس الأكبر الذي يمكن أن نتعلمه من قصة «تصحيح خريطة العالم»: أحيانًا لا نحتاج إلى تغيير الواقع.. وإنما نحتاج فقط إلى أن نراه كما هو.