نص كلمة وزير الخارجية خلال أعمال الدورة 166 لمجلس الجامعة العربية على المستوى الوزاري بالقاهرة
ألقى الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي وشئون المصريين بالخارج، كلمة، اليوم الاثنين، خلال مشاركته في أعمال الدورة 166 لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري بالقاهرة.
وجاء كلمة الوزير على النحو التالي
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يطيب لي في مستهل كلمتي، أن أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى مملكة البحرين الشقيقة، وأخص بالذكر أخي معالي الدكتور عبد اللطيف بن راشد الزياني، وزير خارجية مملكة البحرين، لما اضطلعت به المملكة من جهود مقدرة في رئاسة أعمال الدورة العادية الخامسة والستين بعد المائة لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، وما بذلته من جهود مخلصة في إدارة مسيرة العمل العربي المشترك خلال المرحلة الدقيقة التي انعقدت فيها اجتماعات هذه الدورة.
كما أود أن أتوجه بخالص الدعوات بالتوفيق والسداد إلى الجمهورية التونسية الشقيقة بمناسبة توليها رئاسة أعمال الدورة السادسة والستين بعد المائة لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، متمنيًا لأخي معالي السيد محمد علي النفطي، وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، كل النجاح في إدارة أعمال المجلس؛ وإننا لنتطلع إلى أن تكلل أعمال هذه الدورة بقرارات عملية وفاعلة، تعكس تطلعات شعوبنا العربية، وتستجيب لحجم التحديات المتزايدة التي تواجه عالمنا العربي.
ويسرني أن أرحب بمعالي الأمين العام السيد / نبيل فهمي، في مستهل ترؤسه أول دورة وزارية لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية منذ توليه مهام منصبه.
وأعرب لكم معالي الأمين العام، عن خالص تمنياتي بالتوفيق والسداد في أداء مسؤولياتكم، ونشد على أيديكم في تلك المرحلة التي تشهد فيها المنطقة العربية تحديات غير مسبوقة لتنسيق العمل العربي المشترك وتعزيز قدرته على الاستجابة لمختلف التحديات التي تواجه منطقتنا العربية.
وتنظر جمهورية مصر العربية بإيجابية إلى مبادرة معالي الأمين العام لتطوير أداء الجامعة، وبصفة خاصة ما يتصل بتعزيز قدراتها في الاستباق والإنذار المبكر والتنسيق وإدارة الأزمات. ونؤكد في هذا السياق أن تطوير أداء الجامعة وإصلاح مؤسساتها يجب أن يستهدف في المقام الأول، تعزيز قدرتها على ترجمة التوافق السياسي والإرادة العربية إلى مواقف وسياسات فاعلة وآليات تنفيذ ومتابعة أكثر كفاءة.
وتؤكد مصر استعدادها للعمل الوثيق مع معالي الأمين العام والدول الأعضاء في تنفيذ هذه المبادرة، بما يصون هوية الجامعة ومرجعيتها، ويعزز مؤسساتها وقدراتها، ويرتقي بفاعليتها، ويكرسها إطاراً جامعاً للإرادة العربية وأداة فاعلة لخدمة المصالح والقضايا العربية.
أصحاب السمو والمعالي والسعادة .....
السيد الرئيس ....
يشهد إقليمنا تطورات تمس بصورة مباشرة أمن الدول العربية وسيادتها وسلامة أراضيها. وفي هذا السياق، تؤكد مصر إدانتها القاطعة للاعتداءات الإيرانية التي استهدفت عدداً من الدول العربية الشقيقة، وتضامنها الكامل مع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والأردن والعراق.
كما تؤكد مصر رفضها المساس بسيادة دولنا العربية أو أمنها أو سلامة أراضيها. وتؤكد أن استهداف دولة عربية أو انتهاك سيادتها لا يمكن التعامل معه بشكل منفرد في ضوء ما يترتب عليه من تداعيات مباشرة على أمن واستقرار المنطقة.
وفي الوقت ذاته، تتمسك مصر بضرورة تجنب اتساع دائرة المواجهة، وتؤكد أن العودة إلى المسار الدبلوماسي تظل السبيل الأكثر فاعلية لمعالجة مصادر التوتر وتحقيق التهدئة. وفي هذا الإطار، تؤكد مصر أهمية البناء على مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران في يونيو ۲۰۲٦ ، وصولاً إلى اتفاق نهائي ومستدام يراعي شواغل مختلف الأطراف ويسهم في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين.
السيد الرئيس ...
إن انشغال المجتمع الدولي بالتطورات الإقليمية المتسارعة، وفي مقدمتها الاعتداءات الإيرانية على دول المنطقة، يجب ألا يحجب المأساة الإنسانية غير المسبوقة في قطاع غزة والضفة الغربية، أو السياسات الإسرائيلية الممنهجة الرامية إلى فرض وقائع جديدة تقوض من فرص التوصل إلى تسوية عادلة ودائمة للقضية الفلسطينية.
وتؤكد جمهورية مصر العربية أن القضية الفلسطينية تظل جوهر الأمن والاستقرار في المنطقة، وأن السبيل الوحيد للسلام العادل والدائم هو إنهاء الاحتلال وتجسيد حل الدولتين، بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على حدود الرابع من يونيو ١٩٦٧ وعاصمتها القدس الشرقية، وفقًا للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
وتجدد مصر رفضها القاطع والمطلق للتهجير، والاستيطان، والضم وتصفية القضية الفلسطينية، وتغيير الطابع الديموغرافي والجغرافي للأراضي الفلسطينية المحتلة، وتحذر من المضي في المشروع الاستيطاني E1 لما يمثله من تهديد لوحدة الأراضي الفلسطينية وتواصلها الجغرافي وعزل القدس الشرقية، وتقويض المقومات الدولة الفلسطينية؛ كما تؤكد دعمها للسلطة الوطنية الفلسطينية ورفض أي فصل بين قطاع
غزة والضفة الغربية.
وتؤكد مصر على موصلة جهودها لتثبيت وقف إطلاق النار وتنفيذ تفاهمات اتفاق شرم الشيخ، واستكمال تنفيذ خارطة الطريق وخطة السلام للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقرار مجلس الأمن ۲۸۰۳ لعام ۲۰۲٥ ، بما يضمن الانتقال إلى المرحلة الثانية 6 والانسحاب الإسرائيلي من القطاع، والنفاذ الكامل والمستدام للمساعدات، ودعم التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وتمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة، تمهيدًا لعودة السلطة الوطنية الفلسطينية الممارسة مسؤولياتها كاملة في القطاع والضفة الغربية.
وتشدد مصر على أن إعادة إعمار غزة يجب أن يتم مع بقاء الشعب الفلسطيني على أرضه، وفي إطار مسار سياسي يفضي إلى إقامة الدولة الفلسطينية، ولا يمكن أن يكون بديلا عن هذا المسار.
السيد الرئيس ...
أصحاب السمو والمعالي والسعادة ....
ولا تنفصل هذه التطورات الإقليمية عن أزمات وتحديات جسيمة تواجه عدداً من دولنا العربية، وإن اختلفت ساحاتها وتباينت مسبباتها. وفي هذا السياق، تنطلق جمهورية مصر العربية في رؤيتها ومواقفها تجاه الأوضاع في السودان وسوريا ولبنان والعراق وليبيا واليمن والصومال من ثوابت راسخة، في مقدمتها دعم الدولة الوطنية ومؤسساتها، وصون سيادتها ووحدة أراضيها، ورفض التدخلات الخارجية وأي مساع لتقسيم الدول أو إنشاء كيانات موازية لمؤسساتها الشرعية، مع التمسك بالحلول السياسية الوطنية باعتبارها السبيل لتسوية الأزمات والحفاظ على تماسك الدول.
وعلى اختلاف هذه الأزمات في طبيعتها وسياقاتها، فإنها تلتقي عند حقيقة أساسية مفادها أنه لا يمكن تحقيق استقرار مستدام من دون دولة وطنية قوية وقادرة على بسط سيادتها على كامل أراضيها، وحماية مؤسساتها، وصون وحدة نسيجها الوطني.
أصحاب السمو والمعالي والسعادة ...
لقد أكدت التطورات الأخيرة الترابط الوثيق بين مصادر التهديد التي تواجه الدول وتداعياتها الممتدة عبر الحدود لتطال أمن الخليج والممرات البحرية وبالأخص مضيق هرمز والبحر الأحمر، وما تلقيه آثارها على أمن الطاقة والتجارة الدولية وسلاسل الإمداد. وتؤكد مصر ضرورة ضمان حرية الملاحة الدولية واحترام قواعد القانون الدولي، ورفض استخدام الممرات البحرية أداة للضغط أو التصعيد، وضمان أمن وسلامة وحرية العبور عبر الممرات والمضايق الدولية. وتشدد أن أمن البحر الأحمر مسؤولية مشتركة وحصرية للدول المشاطئة له، وأن ترتيبات أمنه ينبغي أن تقوم علي التعاون والتنسيق واحترام سيادة دول المنطقة ومصالحها.
كما تؤكد مصر أن قضية الأمن المائي ترتبط ارتباطاً وثيقا بالتحديات التي تواجه المنطقة العربية في ظل ندرة المياه الشديدة التي تعاني منها، وتشدد في هذا السياق على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي في المجاري المائية العابرة للحدود، واحترام حقوق الدول، ورفض أي إجراءات أحادية من شأنها الإضرار بمصالحها أو تهديد أمنها المائي.
ويظل نهر النيل شريان الحياة وركيزة أساسية لأمن مصر والسودان، ومن ثم فإن صون حقوقهما المائية يستوجب تعزيز التنسيق والتكاتف العربي لحماية الأمن المائي لدولتي مصب نهر النيل، والتصدي الحازم للسياسات والإجراءات الأحادية في حوض النيل الشرقي.
السيد الرئيس ...
إن اتساع نطاق التحديات وتشابكها يكشف عن طبيعة التهديدات المتداخلة التي تواجه منطقتنا العربية؛ وانطلاقا من ذلك، تنظر مصر إلى الأمن القومي العربي باعتباره منظومة مترابطة لا تقبل التجزئة؛ فأي مساس بأمن أو سيادة دولة عربية ينعكس على محيطها، ويؤدي إلى خلل في التوازنات الإقليمية يفتح المجال للتدخلات الخارجية ويعيد تشكيل موازين القوى على نحو يصعب احتواؤه .
ومن ثم، تري مصر أهمية أن يتحول الأمن القومي العربي من مجرد مفهوم سياسي إلى قدرة عربية فعلية قادرة على المبادرة والوقاية والاستجابة والحماية، من خلال تطوير منظومة عربية مشتركة وترتيبات أمن جماعي عربي، وتعزيز آليات التنسيق السياسي والأمني والدفاعي بما يمكن الدول العربية من التعامل بفاعلية مع مختلف التهديدات والتحديات المشتركة، وصون أمنها واستقرارها وسيادتها.
وغني عن البيان أن الدول العربية تمتلك أساساً قانونياً قائماً بالفعل يتمثل في معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي لعام ١٩٥٠ ، كما سبق أن اتخذت القمم العربية قرارات مهمة لتعزيز القدرات العربية المشتركة، وفي مقدمتها قرار قمة شرم الشيخ في مارس ۲۰۱۵ بشأن إنشاء قوة عربية مشتركة، وكذلك القرار المشترك السعودي المصري رقم ۹۲۳۷ الصادر في سبتمبر ٢٠٢٥ في أعمال الدورة الوزارية العادية الرابعة والستين بعد المائة لمجلس الجامعة بشأن الرؤية العربية المشتركة للأمن والتعاون في المنطقة".
وترى مصر أن المرحلة الحالية تستوجب البناء على هذه الأطر والقرارات، والانتقال من الإقرار بالمبادئ إلى وضع ترتيبات عملية قابلة للتنفيذ، وتستند إلى التوافق العربي، وتحافظ على سيادة الدول واستقلال قرارها، ولتتقاطع مع رؤية الأمين العام بشأن تطوير العمل العربي في المجال الأمني وتطوير آليات التعامل مع التهديدات الأمنية المستجدة كما استعرضه معاليه في خطابه أمام معالي وزراء الخارجية العرب.
وانطلاقاً من ذلك، تطرح مصر رؤية للترتيبات الأمنية العربية لتعزيز القدرة الجماعية على حماية الأمن القومي العربي بما في ذلك عبر دفع التكامل الأمني والدفاعي وتحديد مجالات التكامل بين الدول العربية وتنسيق القدرات العربية المتاحة في هذا الشأن.
وتؤكد مصر أن هذا الطرح يأتي في سياق تفعيل وتطوير الأطر القائمة وما تم التوافق عليه من قبل بين الدول الأعضاء، وتجميع الجهود العربية بما يحول الإرادة السياسية المشتركة إلى قدرة عربية عملية قادرة على حماية الأمن القومي العربي ومصالح دوله وتعزز القدرة على الردع والاستباق والتعامل بصورة جماعية مع التهديدات والأزمات، وتتسق مع رؤية معالي الأمين العام التي طرحها في مطلع ولايته في خطابه إلى وزراء خارجية الدول العربية الشقيقة.
ومن هذا المنطلق، تؤكد مصر استعدادها الكامل للعمل مع الجامعة وبالتنسيق مع الدول الأعضاء، لإعداد تصور متكامل لهذه الترتيبات المشتركة، يحدد مجالات التعاون، وأطر التنسيق والاستجابة للأزمات ومسارات التنفيذ والمتابعة، من خلال اجتماعات تشاورية وتنسيقية تفضي إلى رؤية عربية مشتركة، تقوم على احترام سيادة الدول العربية واستقلال قرارها .
ومن هذا المنطلق، تنبع أهمية إعداد تصور عربي متكامل لهذه الترتيبات المشتركة، يحدد مجالات التعاون وآليات التشاور وأطر التنسيق الاستجابة للأزمات، ومسارات التنفيذ والمتابعة، من خلال اجتماعات تشاورية وتنسيقية تفضي إلى رؤية عربية مشتركة، تقوم على احترام سيادة الدول العربية واستقلال قرارها ورفض فرض أي ترتيبات أمنية عليها من خارج الإقليم.
السيد الرئيس
أصحاب المعالي والسعادة،
إن المرحلة الراهنة تستوجب بناء ترتيبات عربية أكثر قدرة على الوقاية والردع واحتواء الأزمات. وتؤكد مصر استعدادها للعمل مع الدول العربية الشقيقة لترجمة هذه الرؤية إلى خطوات عملية بما يعزز قدرة العمل العربي المشترك على مواجهة التحديات وصون أمن دولنا واستقرارها.
وشكرا السيد الرئيس".



