ليس الفن في حياة الشعوب ترفًا يأتي بعد الضرورات، ولا زينة تُضاف إلى العمران، وإنما هو أحد الأوعية التي تتشكل فيها صورة الإنسان عن نفسه ومجتمعه وزمنه. وإذا كان لكل أمة تاريخها السياسي والاجتماعي، فإن لها كذلك تاريخًا وجدانيًا لا تحفظه الوثائق وحدها، وإنما تحفظه الأغنية والصورة والمشهد والحكاية. وفي مصر تحديدًا، كان الفن واحدًا من أهم الأدوات التي أسهمت في صناعة هذا الوجدان، لأنه لم يكتفِ بأن يصور المجتمع، بل ساعد المصريين على أن يروا أنفسهم.
فالهوية المصرية ليست شعارًا يُرفع، ولا فكرة مجردة تُكتب في الكتب، وإنما هي حصيلة تراكم طويل من التاريخ والجغرافيا واللغة والعادات والذاكرة الشعبية. وفي قلب هذا التراكم جاء الفن ليمنح التفاصيل اليومية حياة أطول من أصحابها، ويحيل اللحظة العابرة إلى أثر باقٍ.
حين نشاهد فيلمًا مصريًا قديمًا، فإننا لا نتابع حكاية شخصياته فقط، وإنما نطل من خلاله على مصر التي كانت. نرى الشوارع والبيوت والمقاهي ووسائل المواصلات والملابس، ونسمع لغة الناس وطريقة حديثهم، ونرى الموظف والعامل والفلاح والطالب والأم والابن والرجل الذي يبحث عن كرامته وسط صعوبات الحياة. ومع مرور الزمن، تتحول هذه التفاصيل إلى وثيقة اجتماعية، حتى لو لم يقصد صانعوها أن تكون كذلك.
وهذه إحدى مفارقات الفن الكبرى؛ أنه قد يسجل عصره دون أن يعلن أنه يؤرخ له.
وكانت الأغنية أكثر قدرة على اختراق الحدود الاجتماعية، فصوت أم كلثوم وصل إلى القرية والمدينة، وإلى العامل والموظف والمثقف والفلاح، فاجتمعت أسماع مختلفة حول صوت واحد. وكذلك عبد الحليم حافظ، الذي لم يكن بالنسبة إلى أجيال كاملة مجرد مطرب، وإنما كان صوتًا لمرحلة بما حملته من أحلام وانتصارات وانكسارات وحنين.
ولهذا لا تعيش الأغنية الكبيرة في أرشيف الموسيقى وحده، وإنما في ذاكرة الناس. قد يسمع الإنسان لحنًا بعد عقود، فيستعيد وجه أبيه، أو أمه، أو بيت طفولته، أو شارعًا غاب، أو زمنًا ظن أنه انتهى، عندها يتحول الفن من مادة للمتعة إلى وسيلة لاستعادة الذات.
ثم جاءت الدراما التلفزيونية لتصنع شكلًا آخر من أشكال الاجتماع المصري. كانت الأسرة تجتمع حول شاشة واحدة لمتابعة الحكاية نفسها، وكانت أعمال مثل «ليالي الحلمية»، و«الشهد والدموع»، و«ذئاب الجبل»، و«رأفت الهجان»، و«المال والبنون»، وغيرها، تتحول من مجرد مسلسلات إلى مواعيد يعرفها الجميع. كانت الشخصيات تدخل البيوت، ثم تخرج إلى الشارع، وتصبح أحداثها موضوعًا للنقاش في اليوم التالي.
كان الفن يصنع، في تلك اللحظة، مساحة وجدانية مشتركة بين ملايين المصريين.
تغير الزمن، وتعددت الشاشات والمنصات، ولم يعد الناس يشاهدون العمل في اللحظة نفسها بالضرورة، لكن الحاجة إلى الحكاية المشتركة لم تختفِ. ما زالت الدراما قادرة على صناعة النقاش العام، وما زالت بعض الشخصيات والمشاهد تتحول إلى جزء من الذاكرة الجماعية. تغيرت الوسيلة، لكن الوظيفة لم تمت.
ولم يحتفظ الفن المصري بصورة مصر لأبنائها فقط، وإنما حملها إلى العالم العربي. عرف ملايين العرب القاهرة من السينما، وحفظوا لهجتها وأغانيها وشخصياتها، وأصبحت الثقافة المصرية، عبر الفن، حاضرة في وجدان محيطها العربي. وهذه ليست مسألة فنية خالصة، وإنما هي إحدى صور القوة الناعمة التي تملكها الأمم حين تقدم نفسها للعالم من خلال إبداعها.
وفي الأدب، اتسعت الصورة أكثر. حين كتب نجيب محفوظ عن القاهرة، لم يرسم شوارعها وحاراتها فحسب، بل كشف طبقات الإنسان المصري وعلاقاته وتحولاته. وحين كتب يوسف إدريس عن البسطاء، منحهم مساحة إنسانية جعلتهم مرئيين في مجتمع قد لا ينتبه دائمًا إلى أصواتهم.
وهنا تظهر وظيفة الإبداع في معناها الأعمق: أن يجعل الإنسان مرئيًا، وأن يمنح المجتمع القدرة على رؤية نفسه.
لكن تقدير الفن لا يعني وضع الفنان فوق النقد. النقد حق، والاختلاف ضرورة، والفن نفسه لا يتقدم إلا بالحوار والمساءلة. غير أن هناك فارقًا بين نقد العمل واغتيال صاحبه، وبين الاختلاف في الرؤية وتحويل الخلاف إلى خصومة.
وفي عصر المنصات الرقمية، أصبح من السهل اختزال سنوات من التجربة في مقطع قصير، أو تصريح عابر، ثم تحويل الانتشار إلى حكم نهائي. لكن الفن لا يقاس بعدد المشاهدات، والفنان لا تختصر تجربته في لحظة، والتاريخ وحده يملك القدرة على التمييز بين ما كان صخبًا عابرًا وما كان أثرًا حقيقيًا.
فالفن الذي يبقى هو الفن الذي يجد مكانًا في الذاكرة.
ومن هنا تأتي علاقته بالوطنية. فالوطنية ليست دائمًا خطابًا مباشرًا عن الوطن، ولا تحتاج في كل مرة إلى شعار. قد تكون في أغنية تجعل مصريًا بعيدًا عن بلده يشعر بأن مصر عادت إليه، أو في مشهد سينمائي يعيد إلى الإنسان شارعًا تغيرت ملامحه، أو في رواية تفتح بابًا على زمن لم يعشه.
قد يبتعد الإنسان عن وطنه، لكن الوطن لا يبتعد عنه بالسهولة نفسها، وأحيانًا يكون الفن هو المفتاح الذي يعيد فتح الذاكرة.
ولهذا فإن الحفاظ على الفن المصري لا يعني العيش أسرى للماضي، كما أن التجديد لا يعني القطيعة مع التراث. الأمة التي تريد مستقبلًا مختلفًا لا تبدأ من الصفر، وإنما تبني فوق ما راكمته الأجيال. فالتراث ليس مقبرة، بل نقطة انطلاق، والفن الجديد لا ينبغي أن يهدم ما سبقه، وإنما أن يحاوره ويتجاوزه ويضيف إليه.
ومصر، بحكم تاريخها وتنوعها، ليست مجتمعًا واحد اللون. فيها اختلافات كثيرة في الطبقات والأفكار والميول، لكن الفن استطاع، في لحظات كثيرة، أن يمنح هذه الاختلافات مساحة مشتركة. قد يختلف المصريون في أشياء كثيرة، لكنهم يستطيعون أن يلتقوا أمام أغنية أو فيلم أو شخصية درامية أو جملة أدبية.
وهذه القدرة على الاجتماع ليست تفصيلًا عابرًا، وإنما إحدى صور القوة الثقافية للمجتمع.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا قدم الفن للمصريين من تسلية؟ وإنما: ماذا كان سيبقى من صورة مصر في ذاكرة أجيال متعاقبة لولا الفن؟
ربما كانت ستبقى الوقائع والأرقام والتواريخ، لكن تفاصيل الحياة الإنسانية كانت ستتسرب من الذاكرة؛ كيف كان الناس يعيشون، ويحبون، ويحلمون، ويخافون، وكيف كانت شوارعهم وبيوتهم وأصواتهم.
إن الفن لا يحفظ مصر كما تحفظها كتب التاريخ، وإنما يحفظ مصر التي عاشها المصريون.
ولهذا سيبقى الفن المصري أكثر من صناعة وترفيه، سيبقى ذاكرة وطن، ومرآة مجتمع، وجسرًا بين الأجيال. وحين تعود أغنية قديمة، أو يظهر فيلم مضى عليه نصف قرن، أو تبدأ موسيقى مسلسل ارتبط بطفولتنا، فإن الذي يعود إلينا ليس العمل وحده، وإنما يعود زمن كامل.
وربما كان أعظم ما فعله الفن المصري أنه لم يُلغِ اختلاف المصريين، وإنما منحهم، وسط هذا الاختلاف كله، شيئًا نادرًا: ذاكرة مشتركة، وحكاية واحدة يستطيعون أن يتذكروها معًا.