عاجل

في العاشر من سبتمبر 2026، يحل الفريق الغنائي الشهير كايروكي (خُطّاراً) على جمهورهم العراقي في بغداد. 
والخطار مفردة عراقية عامية تعني الضيف، أكان هذا الضيف فرداً أو جماعة.

" خطار عدنا الفرح! "
يرى العراقيون في تراثهم الغنائي الشعبي أن الفرح عندهم مجرد ضيف يأتي طيفاً ويغيب فجأة وبسرعة! لأن الأساس في نفس العراقي هو الحزن؛ أما الفرح فهو مجرد خطار.
لذا، لا يمكننا اعتبار كايروكي ضيوفاً – بالمعنى الحرفي - على بغداد وأهلها، فالفريق الغنائي معروفٌ بحزن أنغامه وكآبة كلمات أغانيه.
إذن، كايروكي في مكانهم الطبيعي، العراق، مسقط رأس الحزن الأول، فيه وُلد ونشأ، وفيه بكى وازدهر، وفيه منحته الآلهة سر الخلود!
ولن أبالغ إذا ما قلت أن الحزن هو ديانة العراقيين وذاكرتهم الوطنية!

" الحزن شهية لا تشبعها أي مصيبة "
قالها إميل سيوران ( ت 1995 م ) في كتابه ( المياه كلها بلون الغرق )، ورأى الشاعر العراقي عدنان الفضلي أن فيلسوف العدمية كان سيتعرف على حزن لا يشبهه شيء في الأولين ولا الآخرين، إذا ما سمع شيئاً عن حزن العراق السومري الجذور.

" سأجعل أهل أوروك يبكون عليك ويندبونك؛
وسأجعل أهل الفرح يحزنون عليك ! "
تخبرنا الألواح الطينية السومرية التي خلدت أولى الملاحم الأدبية في التاريخ الإنساني ( 2100 قبل الميلاد )، كيف بكى جلجامش صديقه إنكيدو، وفيها استأثرت الآلهة العظام بالخلود، لتترك للبشرية بعضاً منها على هيئة أفراح وأتراح؛ ولكنها لم توضح لنا من منهما كان له النصيب الأكبر من ذلك الميراث، ليسطو - منذ ذلك اليوم - الحزن العراقي على نصيب غريمه الضعيف؛ الفرح!

" ويلاه.. ويلاه !
ويلي عليك يا ولدي وأخي سين !
لقد اختلط دمك بالتراب وعفّر وجهك الأرض.
يا فتيات..
مزّقن جيوبكن والطمن صدوركن !
لقد قتلوا الفتى سين؛
يا فتى يا سين.. يا فتى يا سين !
يا سين ! "
صرخت بها السومرية كشتن آنا، وهي عند بعض المختصين في علوم الآثار والتاريخ العراقي القديم، أخت الإله سين ابن الإله إيليا. أطلق السومريون عليها لقب ( بي لي لي ) ومعناها الحزينة، حيث استمر بكاؤها على مصاب أخيها أياماً عشر!

" فجاء بي إلى مدخل باب بيت الرب من جهة الشمال، وإذا هناك نسوة جالسات يبكين على تموز! "
*سفر حزقيال - الإصحاح 8 آية 14 / العهد القديم*

رحلت ممالك سومر وجاءت بابل، وكما كانت ثنائية جلجامش وإنكيدو، وسين وكشتن آنا سومريتان أكديتان بامتياز، جاء الإله تموز ومعه عشتار ليؤكدا حقيقة جلية، وهي أن البكائيات في وسط وجنوب وادي الرافدين قد غدت وقوداً للحياة.
ونضجت معهم جميعاً ممارسة البكاء لتصبح أكثر تنظيماً، فظهرت المواكب الجنائزية التي ترتبط بمواسم وأيام معينة من كل عام، لا شيء فيها يعلو فوق صوت الحزن!

" إن القتل لنا عادة 
وكرامتنا من الله الشهادة ! "
*السيدة زينب أخت الحسين بن علي بن أبي طالب، بعد استشهاده عام 61 هجرية بواقعة الطف الدموية سيئة الصيت*

ظل العراقيون لقرونٍ يبحثون عن أمرٍ جللٍ تحيا معه أحزانهم من جديد، حتى اصطدم الفزع بذاكرتهم وللأبد بعد نبأ فاجعة كربلاء، والتي غيرت مجرى تاريخ الإسلام في العراق، إلى يوم يبعثون!

" يا حزن!
يا ريت أعرفك وين تسكن
كنت أقول لك لا تجيني
وتمشي كل هاي المسافة
آنا وحدي كان إجيتك! "
في شعره الشعبي بالعامية الجنوبية العراقية، يدرك مظفر النواب ( ت 2022 م ) أن الحزن في بلاده ثقافة سائدة؛ وليس مجرد ثقافة فرعية subculture، كسائر شعوب الأرض التي يعيش فيها الحزن حدثاً عادياً ضمن أحداث أخرى ترافق الحياة!
فالحزن لدى العراقيين هو أعلى تجسيد لقيمة الوفاء، وبالضرورة أضحى الفرح أكثر أشكال الخيانة انحطاطاً !
كيف لا؟
فإنك لن تجد في ذاكرة أية مجموعة بشرية من سكنة الكرة الأرضية، من يحتاج فرحه إلى استئذان الحزن قبل أية مناسبة سعيدة في قاموس مخياله مهما علا شأنها أم صغر؛ إلا العراقي!

" همّ تعود؟
واذبح لك دمع؛
وهدوم حزني السود! "
هي ومثلها، كلمات ترددها المواهب الشعرية الجديدة في بواكير مشوارها الرافديني. لتكشف لنا حقيقة أن الحزن وحده عندهم من غلب الزمن وانتصر على الموت العبثي! فهو عابر لكل الحقب، قاهر لجميع العصور؛ ويا ليته ما فعل!

" شعبٌ دعائمه الجماجم والدمُ    تتهدم الدنيا ولا يتهدمُ ! "
لم يعرف العراقيون تطور التكنولوجيا بذلك التدريج الذي عاصره أقرانهم شيئاً فشيئاً. فقد كان العراقي ممنوعاً من الساتالايت والموبايل والإنترنت في سنوات حكم نظام صدام حسين الأخيرة.
حتى جاء التغيير في العام 2003 وما بعده، ودخلت حينها جميع مظاهر التكنولوجيا دفعة واحدة، ليصبح أمامنا – منذ بضع سنين – جيلاً نشأ على مظاهر الانفتاح لا الانعزال، وحرية السفر لا الانغلاق، والاطلاع على ثقافات الغير وجهاً لوجه وتجربة بتجربة.
ومعها رأى هذا الجيل في قرارة نفسه شيئاً من التمرد على موروثات سائدة لطالما عاشت تؤدي فروض الطاعة لأصنامٍ صغيرة من هيبة ووقار، حول ذلك الصنم الأكبر؛ الحزن!
ولأن الثورة والتمرد مفردتان أصيلتان من سمات العراقي، موجودتان في جيناته منذ نعومة أظفار الحضارة البشرية، ولم يكتسبهما بالأمس القريب كصدفة جيولوجية!
فهو لا يريد الانسلاخ من قيمة الحزن تماماً؛ بل هو يروم، كما يرى الكاتب منتظر الحسناوي، أن يجعل من حزنه السرمدي طقساً أكثر حيوية وحياة؛ بل ومتعة أيضاً.
  
والآن حان وقت السؤال، لماذا كايروكي؟
أضحى لدينا الآن في العراق جمهوراً واسعاً عاشقاً لهذا الفريق الغنائي، ينحدرون من قطاعات اجتماعية متعددة وبيئات ثقافية حاضنة مختلفة.
وعندما أعلنت الجهة المنظمة لحفل كايروكي المرتقب في بغداد، تمام السادسة مساء يوم صيفي لاهب منتصف أغسطس/ آب، عن بدء طرح تذاكر الحفل أمام الجمهور، حتى نفدت البطاقات بسرعةٍ وسطٍ ما بين الضوء والصوت، عقب 3 دقائق فقط من إطلاقها عبر منصة حجز إلكتروني مسبق!
وهو أمر لافت دون شك لفريق موسيقي غنائي سال الكثير من الحبر في مديحهم، وصدحت الحناجر ملياً بالهتاف بهم إعجاباً.
يبدو أن كايروكي قد تسللوا إلى أفئدة هذا الجيل العراقي الجديد، شديد البأس، بمراوغة تثير الإعجاب.

" ساعات كل اللي بنحتاجه
تغيير جو ! "
أعاد كايروكي لجمهورهم العراقي شيئاً لم ينجح فيه أحد من قبل. لقد أهدى هذا الفريق لمحبيه قيمة إنسانية لطالما طاردوا أطيافها في نفوسهم دون أن يدركوا ماهيتها الحقيقية!
إنها قيمة الفرد وحزنه الخاص بعيداً عن سطوة البكائيات الجماعية لأي قطيع عقائدي أو مناطقي كان!

" ونسينا؟ ولاّ اتنسينا؟
ولاّ بقينا نشبه سنين؟!
سنين... قسيت علينا! "
لم يتمكن حزب أو تيار سياسي أو مدرسة فكرية – أدبية كانت أم فنية - في العراق من اكتشاف احتياج هذا الجيل إلى ممارسة الحياة بالطريقة التي يريدونها دون وصاية من أحد.
لطريقتهم الخاصة التي تعبر عن كينونتهم، ذاتهم، طموحاتهم ومعاناتهم، وسط عذابات الموت المجاني الذي نشأوا حوله بين ركام المفخخات وأحزمة الانتحاريين وأشلاء الضحايا وصور الشهداء، منذ عصر الاستبداد إلى عهد الفساد!

" يفضلوا يقولوا بكرة أحلى
طب ياخي أخي أحلى!
ليه زعلان؟! "
وحدهم كايروكي – من حيث يدري هذا الفريق أو لايدري – من استطاعوا أن يكونوا أيقونة جيل متمرد. في خصوصية نادرة تشبه تلك التي أنتجت جيل البيتلز عقب الكوارث الاجتماعية والاقتصادية التي عصفت بالعالم الغربي بُعيد الحربين العالميتين.
حطت طائرة كايروكي في مطار بغداد، وسبقتهم أنغامهم وهي محملة بالخلاص – أو بقبسٍ منه – لهؤلاء الشباب العراقي الصعب المراس، فاجتمعوا حول أغانيها؛ لعل الله يحدث بعد ذلك.. SUPERNOVA !

في القرن الرابع للهجرة ( العاشر الميلادي )، ظهرت في البصرة جنوبي العراق، جماعة حاولت إجراء أول محاولة مصالحة جادة بين الفلسفة والدين، اسمها جماعة إخوان الصفاء وخلان الوفاء. 
وفي رسالتهم التي تحمل الرقم 22 وضعوا تصوراً مختلفاً لمواصفات الإنسان الأعلى أو المثقف المثالي حسب رؤيتهم، عند وصفهم للملك الصالح العادل حين قالوا عنه :- 
" العالم الخبير، الفاضل الذكي، المستبصر، الصمداني، الفارسي النسب، العربي الدين، الحنفي المذهب، العراقي الآداب، العبراني المخبر، المسيحي المنهج، الشامي المنسك، اليوناني العلوم، الهندي البصيرة، الصوفي السيرة، الملكي الأخلاق، الرباني الرأي، الإلهي المعارف ".
وأكاد أسمع همس شباب عراقي وهو يضيف :-
" ...وكايروكي النغم! ".

 

تم نسخ الرابط