هل يدفع التطوير ثمنه من رصيدنا الأخضر؟.. برلمانيون يفتحون ملف قطع الأشجار
في الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن مواجهة التغيرات المناخية وزيادة الرقعة الخضراء، تتجدد التساؤلات حول مصير الأشجار المعمرة داخل المدن والمحافظات، خاصة مع تكرار وقائع إزالتها بالتزامن مع تنفيذ مشروعات الطرق والمحاور والتطوير العمراني.
وبينما تؤكد الدولة أهمية زيادة المساحات الخضراء، تطرح وقائع قطع أشجار يعود عمر بعضها إلى عشرات السنين سؤالًا أساسيًا: هل يمكن تحقيق التطوير دون التضحية بالأشجار والبيئة؟
هذا الملف عاد إلى الواجهة من خلال تحركات برلمانية، بالتزامن مع تصريحات النائب علاء عبد النبي، الذي أكد أن تنفيذ الطرق لا يستلزم بالضرورة قطع الأشجار، والنائبة مها عبد الناصر، التي طالبت الحكومة بتوضيح سياستها في التعامل مع الأشجار المعمرة، خاصة في المشروعات الجديدة.
تنفيذ الطرق لا يستلزم قطع الأشجار
أكد النائب علاء عبد النبي أن تنفيذ الطرق لا يعني بالضرورة إزالة الأشجار، موضحًا أن التخطيط الهندسي يمكن أن يراعي الإبقاء عليها، سواء على جانبي الطريق أو داخل الجزيرة الوسطى.
وأشار إلى أن التعامل مع الأشجار يجب أن يعتمد على التقليم والتهذيب وإزالة الأفرع المائلة، بما يحافظ عليها ويمنحها في الوقت نفسه شكلًا جماليًا ومظهرًا حضاريًا.
وشدد عبد النبي، في تصريحاته لـ«نيوز رووم»، على ضرورة نشر ثقافة التعامل السليم مع المساحات الخضراء والأشجار والاهتمام بها بدلًا من قطعها، مؤكدًا أن قطع الأشجار يمثل جريمة في حق المجتمع والشعب، وأن الحفاظ عليها مهم لما لها من دور في تخفيف درجات الحرارة.
أشجار عمرها 100 عام في قلب القاهرة
ولفت عضو مجلس الشيوخ إلى أن مناطق قصر النيل والزمالك ووسط البلد وجاردن سيتي تتميز بوجود أشجار قديمة لا تزال قائمة حتى الآن، موضحًا أن عمر بعضها قد يصل إلى نحو 100 عام.
وأكد أن هذه الأشجار تحتاج إلى التقليم والتهذيب، مشيرًا إلى مساهمتها في الحفاظ على الأجواء وتخفيف درجات الحرارة خلال فصل الصيف.
أشجار اختفت من الجزيرة الوسطى
وأشار عبد النبي إلى أن منتصف طريق مصر الإسكندرية الصحراوي كان يضم عددًا من الأشجار التي كانت تمنح الطريق قدرًا من الطراوة، إلا أن الوضع تغير حاليًا ولم تعد هناك أشجار في الجزيرة الوسطى.
وأعرب عن أمله في تنفيذ مشروع بمحافظة القاهرة لزراعة 100 مليون شجرة وشتلة صغيرة، وتوزيعها في المناطق الشعبية، بهدف خلق بيئة أفضل تساعد على تحسين الأجواء خلال فصلي الصيف والشتاء، بما يصب في صالح المجتمع والشعب.
تفتح ملف قطع الأشجار أمام البرلمان
وفي السياق ذاته، تقدمت النائبة الدكتورة مها عبد الناصر، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، بسؤال برلماني موجه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزيرة التنمية المحلية والبيئة، بشأن استمرار قطع الأشجار وتراجع المساحات الخضراء في مصر.
وطالبت النائبة الحكومة بتوضيح سياستها في التعامل مع الأشجار المعمرة عند تنفيذ مشروعات الطرق والمحاور والتطوير العمراني.
تضارب بين تصريحات الحكومة وما يحدث على أرض الواقع
وقالت مها عبد الناصر إن هناك تضاربًا صارخًا بين تصريحات الحكومة بشأن زيادة الرقعة الخضراء ووقف النزيف الأخضر وقطع الأشجار، وبين ما يحدث على أرض الواقع.
وأوضحت أنه في الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن مواجهة آثار التغير المناخي وتحسين جودة الحياة وزيادة المساحات الخضراء، إلى جانب الإعلان عن مبادرة تستهدف زراعة 100 مليون شجرة، تتكرر وقائع قطع وإزالة الأشجار المعمرة في عدد من المحافظات تحت مظلة مشروعات التطوير وتوسعة الطرق وإنشاء المحاور.
وأضافت أن الأشجار أصبحت في بعض الحالات وكأنها عقبة أمام التطوير، وليست جزءًا من البيئة والبنية الأساسية للمدن.
واقعة شارع جامعة الدول العربية تثير التساؤلات
وأشارت عبد الناصر إلى واقعة تطوير شارع جامعة الدول العربية بمحافظة الجيزة، موضحة أن الأعمال شهدت إزالة وقطع أشجار معمرة يصل عمر بعضها إلى أكثر من 50 عامًا، وكانت تلك الأشجار على مدار عقود جزءًا من الهوية البصرية والتاريخية للمنطقة.
ولفتت إلى أن التعامل الحكومي مع الواقعة جاء بعد حدوثها، من خلال توجيه وزارة التنمية المحلية بحصر ما تم قطعه من أشجار والوقوف على الأسباب التي أدت إلى اللجوء إلى الإزالة بدلًا من نقلها.
وتساءلت: إذا كان نقل الأشجار بديلًا مطروحًا، فلماذا لم تتم دراسة هذا البديل قبل القطع؟ وكيف تبدأ عملية الإزالة أولًا، ثم تبحث الحكومة بعد ذلك عن أسباب اللجوء إليها؟
وقائع مماثلة في مصر الجديدة والمعادي والإسكندرية
وأكدت عضو مجلس النواب أن الأمر لا يتعلق بشارع جامعة الدول العربية وحده، وإنما بنمط أوسع شهدته مناطق ومحافظات مختلفة.
وأوضحت أنه في مصر الجديدة، جرى خلال عامي 2019 و2020 قطع نحو 2500 شجرة وفق ما رصدته جهات مهتمة بتراث المنطقة، كما أزيلت حديقة عرب المحمدي بالكامل، وشهدت منطقة الميريلاند إزالة مساحة تقدر بنحو 10 آلاف متر مربع من الحديقة وقطع أشجار معمرة.
وأشارت إلى وقوع وقائع مماثلة في المعادي ومدينة نصر والإسكندرية وأسوان وقنا والأقصر وبورسعيد.
وأضافت أن أعمال تبطين الترع في عدد من القرى أدت كذلك إلى إزالة أعداد كبيرة من الأشجار المعمرة، ومنها أشجار الكافور والتوت، التي كانت توفر ظلًا طبيعيًا للمواطنين والمزارعين، ووصل الأمر في بعض الحالات إلى بيع الأخشاب الناتجة عن إزالة الأشجار في مزادات علنية.
إزالة الأشجار تزيد تأثير موجات الحر
قالت مها عبد الناصر إن المفارقة تتمثل في أن الحكومة تواجه ارتفاع درجات الحرارة بإزالة المصدر الأساسي للظل، موضحة أنه في الوقت الذي أصبحت فيه موجات الحر الشديدة خطرًا متزايدًا على صحة المصريين، تتم إزالة الأشجار وتقليص الرقعة الخضراء تحت مسمى أعمال تطوير ورفع كفاءة البنية التحتية.
وأوضحت أن الأشجار تلعب دورًا أساسيًا في توفير الظل وتلطيف البيئة الحضرية وتقليل أثر الحرارة، بينما تمتص الأسطح الخرسانية والأسفلتية الحرارة وتحتفظ بها، بما يساهم في زيادة ظاهرة الجزر الحرارية داخل المدن.
وأضافت أن إزالة الأشجار من الشوارع والمناطق السكنية لا تعني فقط فقدان منظر جمالي، وإنما تعني مزيدًا من تعرض المواطنين للشمس والحرارة، وزيادة الاعتماد على أجهزة التكييف، وبالتالي ارتفاع استهلاك الكهرباء والتكاليف التي يتحملها المواطن والدولة.
1.2 متر مربع فقط.. تساؤلات حول نصيب المواطن من المساحات الخضراء
وتساءلت عضو البرلمان عن نصيب المواطن من المساحات الخضراء التي يدفع ثمنها من أمواله، موضحة أن المواطن المصري يدفع الضرائب والرسوم بصورة مباشرة وغير مباشرة على مختلف احتياجاته اليومية، ومن أبسط حقوقه أن يحصل في المقابل على بيئة حضرية آدمية ومساحات عامة وأشجار وحدائق.
وأكدت أن نصيب الفرد في مصر من المساحات الخضراء لا يزال شديد الانخفاض، مشيرة إلى أن البيانات الرسمية تشير إلى نحو 1.2 متر مربع للفرد، بينما تشير منظمة الصحة العالمية إلى حد أدنى يبلغ 9 أمتار مربعة للفرد، ومستوى أمثل يبلغ نحو 25 مترًا مربعًا.
وأضافت أن مصر أمام عجز شديد في المساحات الخضراء، ومع ذلك تستمر إزالة الأشجار القائمة بدلًا من الحفاظ عليها وزيادتها.
أين تذهب مبادرة زراعة 100 مليون شجرة؟
وتساءلت عبد الناصر عن مصير مبادرة زراعة 100 مليون شجرة، قائلة إن الحكومة تعلن عن مبادرة ضخمة تستهدف زراعة 100 مليون شجرة وزيادة نصيب المواطن من المساحات الخضراء، وفي الوقت نفسه يتم قطع أشجار قائمة بالفعل، بعضها عمره عشرات السنين.
وشددت على ضرورة معرفة ما إذا كانت الحكومة تقيس نجاح المبادرة بعدد الأشجار التي تمت زراعتها فقط، أم تخصم من هذا العدد الأشجار التي تمت إزالتها.
وأكدت أن زراعة شجرة جديدة لا تعني تعويض شجرة معمرة قُطعت بعد أن أمضت عشرات السنين في النمو وتوفير الظل والخدمات البيئية، مشيرة إلى أن المشكلة ليست في عدد الأشجار التي تمت زراعتها، وإنما في عدد الأشجار التي بقيت.
المساحات الخضراء.. قضية عدالة اجتماعية
وأوضحت عضو مجلس النواب أن توزيع المساحات الخضراء يحتاج إلى مراجعة من منظور العدالة الاجتماعية، مشيرة إلى أن هناك مناطق وقرى فقدت أشجارها ومساحاتها الخضراء، بينما تتركز أعمال التشجير والتجميل في بعض الطرق والمدن الجديدة.
وأكدت أن قضية الأشجار ليست قضية تجميل أو رفاهية، وإنما قضية بيئية وصحية واجتماعية واقتصادية، وتتعلق مباشرة بجودة حياة المواطن وقدرته على مواجهة ارتفاع درجات الحرارة، مشددة على ضرورة التعامل معها باعتبارها مسألة أمن قومي.
تطوير الطرق لا يعني التضحية بالبيئة
وأكدت النائبة مها عبد الناصر أن تطوير الطرق أو إنشاء المحاور ليس محل اعتراض، إلا أن التطوير الحقيقي لا يجب أن يكون على حساب البيئة والرقعة الخضراء بأي حال من الأحوال.
وأوضحت أن الدول المتقدمة والمتطورة لم تبنِ استراتيجيتها التنموية على أنقاض الأشجار أو على حساب البيئة الصحية.
وتساءلت: إذا كان من الممكن أن يتغير مسار الطريق أو تصميم المشروع للحفاظ على مبنى أو منشأة أو مرفق، فلماذا لا يتغير التصميم للحفاظ على شجرة عمرها عشرات السنين؟
وأكدت أن الأصل أن تصبح إزالة الأشجار المعمرة هي الاستثناء الأخير، وأن تخضع أي مشروعات لدراسة فنية وبيئية مسبقة توضح عدد الأشجار الموجودة، وما يمكن الحفاظ عليه، وما يمكن نقله، وما يستحيل نقله وأسباب ذلك، مع وجود جهة مستقلة تراجع هذه الإجراءات قبل بدء التنفيذ.
3 مطالب برلمانية لحماية الأشجار
واختتمت مها عبد الناصر سؤالها بمطالبة الحكومة بتوضيح السياسة العامة في التعامل مع الأشجار والمساحات الخضراء عند تنفيذ مشروعات الطرق والمحاور والتطوير العمراني، وما إذا كانت هناك قواعد ملزمة تفرض دراسة الحفاظ على الأشجار أو نقلها قبل اتخاذ قرار قطعها، وتحديد الجهة المسؤولة عن اعتماد قرارات الإزالة.
كما طالبت بالكشف عن عدد الأشجار التي تمت إزالتها بمختلف أنحاء الجمهورية وأعمارها التقريبية، وما إذا كانت قد تمت دراسة إمكانية نقلها قبل قطعها، وفي حال كان النقل ممكنًا، أسباب عدم اللجوء إليه، وإذا كان غير ممكن، فما الدراسة الفنية والبيئية التي أثبتت ذلك، وكيف تم اتخاذ قرار الإزالة قبل الوقوف على أسبابه، إلى جانب إجمالي المساحات الخضراء التي فقدتها المدن والمحافظات المصرية خلال آخر عشر سنوات.
وطالبت كذلك بتوضيح كيفية ضمان عدم تعارض مبادرة زراعة 100 مليون شجرة مع استمرار إزالة الأشجار القائمة، وما إذا كان يتم احتساب صافي الزيادة الفعلية في الغطاء الشجري بعد خصم الأشجار التي تمت إزالتها، وخطة الحكومة لرفع نصيب المواطن من المساحات الخضراء، خصوصًا في المناطق الشعبية والقرى الأكثر احتياجًا.