عاجل

«انتحر أم قُتل».. وثائقي يفجر مفاجأة حول وفاة جيفري إبستين

جيفري إبستين
جيفري إبستين

بعد مرور سبع سنوات على وفاة الممول الأمريكي المدان جيفري إبستين، لا تزال الملابسات المحيطة بوفاته تثير الجدل، فيما تتواصل نظريات المؤامرة التي تشكك في الرواية الرسمية بشأن انتحاره داخل زنزانته.

وبحسب الرواية الرسمية، انتحر إبستين، المدان بارتكاب جرائم جنسية، بعدما شنق نفسه داخل زنزانته في مركز الإصلاحيات الحضري في نيويورك، حيث كان ينتظر محاكمته بتهم الاتجار بالجنس.

لكن تلك الرواية لم تضع حداً للتساؤلات. فلا يزال كثيرون يعتقدون أن إبستين تعرض لاغتيال، مستندين إلى سلسلة من الظروف والملابسات التي أحاطت بوفاته، ويرون أن علاقاته الواسعة مع شخصيات نافذة ربما جعلت معرفة ما كان بحوزته من معلومات مسألة ذات أهمية بالغة.

وأعاد فيلم وثائقي جديد ومفجع يتناول جرائم إبستين ودائرته المقربة وتداعيات وفاته، طرح عدد من الأسئلة التي لم تجد إجابات حاسمة حتى الآن.

وقدم الفيلم الوثائقي، الذي أنتجته قناة ABC وتم عرض لأول مرة على HBO Max في 3 سبتمبر، خلاله الصحفية الحائزة على جوائز غريس توبين تحقيقاً في النظريات التي أحاطت بوفاة إبستين، مستندة إلى شهادات ومقابلات مع عدد من الشخصيات المرتبطة بالقضية.

ومن أبرز الذين تحدثوا في الفيلم ديفيد شون، محامي إبستين وقت وفاته.

محامي إبستين: كان مصمما على خوض المحاكمة

قال شون إنه تحدث مع إبستين قبل تسعة أيام من وفاته، وذلك بعد واقعة تصف بأنها محاولة انتحار سابقة، وهو ما نفاه إبستين نفسه، فبحسب رواية شون، أخبره إبستين أنه لم يحاول الانتحار، وأن زميله في الزنزانة أجبره على وضع حبل حول رقبته وسحبه، فقط لمعرفة كيفية استجابته للموقف.

وأضاف شون أن إبستين قال لضباط الإصلاح إنه لا يستطيع تذكر ما حدث، لأنه كان يخشى أنه إذا تسبب في مشكلة لزميله في الزنزانة، فإن ذلك الشخص قد يسبب له بدوره مشكلات.

وقال شون إن إبستين كان غير سعيد بوجوده في السجن، لكنه ظل مصمماً على خوض قضية الاتجار بالجنس المرفوعة ضده، مضيفا أن رغبته في الدفاع عن نفسه والاستمرار في القضية حتى اليوم السابق لوفاته تشير، في رأيه، إلى أنه من غير المرجح أن يكون قد انتحر.

وكان إبستين ينتظر محاكمته بتهم الاتجار بالجنس عندما عُثر عليه ميتاً داخل زنزانته، لتتحول وفاته خلال فترة قصيرة إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الولايات المتحدة.

أحيطت وفاة إبستين منذ الساعات الأولى بسلسلة من الملابسات التي غذت الشكوك، حيث أفادت تقارير بأن الحارسين المسؤولين عن مراقبته، واللذين كان من المفترض أن يتوليا حراسته داخل زنزانته بعد محاولة الانتحار المزعومة السابقة، غلبهما النعاس، ولم يجرِ تفقده لنحو ثلاث ساعات تقريبا، وفي الوقت نفسه، تعطلت كاميرات المراقبة التي كانت تغطي المنطقة الخارجية لزنزانته.

وفي عام 2023، خلصت وزارة العدل الأمريكية إلى وجود ما وصفته بـ"إخفاقات في الأداء الوظيفي" من جانب مسؤولي السجن، لكنها تمسكت في الوقت نفسه بالاستنتاج الرسمي بأن إبستين انتحر.

ويرى المشككون في الرواية الرسمية أن إبستين كان يعرف أشخاصاً نافذين، وأن المعلومات التي كان يمكن أن يكشف عنها ربما كانت تمنح آخرين دافعاً لإسكاته، وهي فرضيات لم يثبتها التحقيق الرسمي، ومن الشخصيات الرئيسية التي ظهرت في الفيلم الوثائقي مايكل بادن، الطبيب الشرعي الذي فحص جثة إبستين بعد وفاته.

وقال بادن إنه تلقى طلبا منه حضور تشريح الجثة في اليوم التالي لوفاة إبستين، وبحسب الرواية الرسمية، تم العثور على إبستين منتحراً شنقاً داخل زنزانته، لكن بادن قال إن بعض تفاصيل التشريح أثارت لديه تساؤلات.

وأوضح أن أثر الرباط حول عنق إبستين كان أفقياً، واصفاً ذلك بأنه وضع "غريب بعض الشيء"، وأضاف أنه في حالات الانتحار بالشنق، تكون علامة الرباط عادة في الجزء العلوي من الرقبة وتميل إلى الاتجاه نحو الأعلى، لكن ما أثار انتباهه بصورة أكبركان وجود ثلاث كسور.

وقال بادن إن كسرين كانا في غضروف الغدة الدرقية، المعروف باسم "تفاحة آدم"، بينما كان الكسر الثالث في عظم اللامي.

وأضاف أنه خلال نحو 50 عاماً من ممارسته لهذا العمل، لم يرَ إصابة مماثلة، مشيراً إلى أن مثل هذه الإصابات يمكن أن تظهر بصورة أكثر شيوعاً في حالات الخنق القاتل، قائلا إن ذلك أثار، في تلك المرحلة، تساؤلات بشأن ما إذا كانت الوفاة انتحاراً بالفعل أم لا.

خلاف حول نتيجة التشريح

وبحسب شون، فإن الطبيبة الشرعية في مدينة نيويورك التي أجرت التشريح قالت إن نتائج الفحص لم تكن حاسمة، وإنها لم تتمكن من الجزم بأن الوفاة كانت انتحارا، وأضاف بادن أن رئيسها في العمل غيّر التصنيف بعد ذلك بثلاثة أو أربعة أيام إلى "انتحار".

وتظل هذه النقطة جزءاً من الجدل المستمر حول وفاة إبستين، في وقت تؤكد فيه السلطات الأمريكية أن التحقيقات انتهت إلى أن إبستين أنهى حياته بنفسه.

ولم يقتصر التشكيك في الرواية الرسمية على محامي إبستين أو بعض الخبراء الذين فحصوا جثته، فقد أعلن مارك إبستين، شقيق جيفري، علناً اعتقاده بأن شقيقه قُتل.

وقال في الفيلم الوثائقي إنه يعتقد أن جيفري إبستين قُتل، مضيفا أنه لو أُجري تحقيق حقيقي وتحدث المحققون إلى الأشخاص المناسبين، فسيكون بمقدورهم معرفة ما حدث بالفعل.

كما تناول الفيلم كذلك انتشار نظريات المؤامرة المرتبطة بوفاة إبستين، وقال عالم السياسة جو أوسينسكي، الذي درس نظريات المؤامرة على مدى 15 عاماً، إنه أجرى استطلاعاً للرأي بين الأمريكيين حول وفاة إبستين، ووجد أن الاعتقاد بأنه ربما لم ينتحر كان رأياً شائعاً.

وبحسب أوسينسكي، يعتقد نصف الأمريكيين أن وفاة إبستين ربما كانت جزءاً من مؤامرة نفذها أشخاص بهدف التستر على الحقيقة وإخفاء تورطهم معه.

وقال إن هذا المستوى من الانتشار غير معتاد بالنسبة إلى نظريات المؤامرة، مشيراً إلى أنه من النادر أن تحظى نظرية من هذا النوع باعتقاد نصف البلاد تقريباً.

ناجيات من إبستين يشككن أيضا في رواية وفاته

حتى بعض الناجيات من جرائم إبستين يعتقدن أنه لم ينتحر، ومن بينهن ليزا فيليبس، وهي عارضة أزياء التقت إبستين في جزيرته عندما كانت موجودة في المنطقة للمشاركة في جلسة تصوير، وقالت فيليبس إنها تعتقد أن إبستين كان يعتقد دائماً أنه سيتمكن من الإفلات من العقاب.

والتقت فيليبس بإبستين عام 2000، عندما أبدى اهتماما سريعا بمسيرتها في مجال عرض الأزياء، فضلا عن تطلعاتها وأحلامها المهنية، لكنها قالت إنه اعتدى عليها جنسياً في الليلة التي التقته فيها، وإن الاعتداء جاء في البداية تحت ستار الحصول منها على جلسة تدليك.

وبعد عودتها إلى منزلها، قالت فيليبس إن إبستين اتصل بها ورتب لها لقاءً مع وكيل عرض أزياء تابع لشركة فورد، قبل أن يبدأ في إرسالها إلى تجارب أداء.

وقالت إنها تعرضت للاعتداء منه مرة أخرى، وإنه من خلال علاقاته كان يرسلها إلى تجارب أداء، لكنها لم تكن تدرك في ذلك الوقت أنها أصبحت ضحية للاتجار بالبشر.

وأوضحت أن تجارب الأداء كانت في واقع الأمر اختيارات ينظمها إبستين، ولذلك كانت تنظر إليها باعتبارها فرصة مهنية حقيقية، قبل أن تصل إلى أماكن تُعرض عليها فيها ممارسات جنسية، ويفرض عليها أشخاص من حولها ممارسة الجنس.

وقالت إنها كانت تعتقد في ذلك الوقت أن الأمر مجرد جزء من العمل.

ناجية أخرى تروي ما تعرضت له في سن الـ15

كما شاركت ناجية أخرى، هي آشلي روبرايت، قصتها في الفيلم الوثائقي، وقالت روبرايت إنها كانت تبلغ من العمر 15 عاماً فقط عندما التقت إبستين، وأضافت أنها كانت تعمل في مطعم شواء عندما سألها أحد زملائها في العمل عما إذا كانت ترغب في تدليك رجل مقابل 200 دولار.

وأكدت أنها فكرت في الأمر للحظات ثم وافقت، وتروي روبرايت أنها ذهبت إلى منزل إبستين في بالم بيتش، لكنها صُدمت عندما دخلت الحمام ووجدت الممول عاريا.

وقالت إنه استلقى على طاولة التدليك وأخبرها بكيفية تدليكه، ثم انقلب على ظهره، وعندها، بحسب روايتها، أصبح الوضع "غير لائق للغاية".

وأضافت أنه طلب منها خلع حمالة صدرها ورفع تنورتها، بينما كان يلمس نفسه، مشيرة إلى أنها كانت تحاول فقط ألا تنظر إليه وألا تكون موجودة في المكان، فيما كان يمسك بها ويتحرش بها، وبعد انتهاء الاعتداء، دخلت مساعدة إبستين وأخذت روبرايت إلى الطابق السفلي، بحسب روايتها.

ورغم شعورها بالصدمة، قالت إنها حاولت في البداية تبرير ما حدث، معتقدة أنه ربما كان مجرد "صدفة"، لكنها عادت إلى منزل إبستين مرة أخرى، وقالت إن الأمور ازدادت سوءاً.

وتتذكر روبرايت أن إبستين أحضر سلة من الألعاب الجنسية وطلب منها اختيار واحدة، ثم سألها عما إذا كانت تعرف كيفية استخدامها، وقالت إنه أجلسها على أرضية الحمام بينما جلس هو على حافة طاولة التدليك.

كما تتذكر روبرايت ما حدث، لكن الفيلم أظهرها وهي تتأثر عاطفياً بشكل واضح، قبل أن تتوقف عن سرد المزيد من التفاصيل.

وأوضحت أن حياتها انقلبت إلى الظلام بعد الفترة التي قضتها على صلة بإبستين، وأضافت أنها كانت غاضبة ولم تعد تهتم بمن سيتحمل وطأة غضبها، وتوقفت عن التشجيع والرقص، وانتقلت من محاولة فعل الخير إلى عدم الاكتراث.

أكثر من ألف امرأة في دائرة الاتهامات

وتُعد فيليبس وروبرايت اثنتين من أكثر من 1000 امرأة يُقال إنهن تعرضن للاعتداء الجنسي من جانب إبستين.

ولا يزال الحجم الكامل للاعتداءات المزعومة غير معروف بصورة نهائية، مع استمرار ناجيات أخريات في التقدم للإدلاء بشهاداتهن ورواياتهن.

ويتطرق الفيلم أيضاً إلى أول قضية جنائية واجهها إبستين، وكيف بدأت شرطة بالم بيتش التحقيق معه بعد أن أبلغت زوجة أبي طالبة في الصف التاسع بمدرسة رويال بالم بيتش الثانوية، في مارس 2005، بأن رجلاً ثرياً تحرش بابنتها.

واكتشفت الشرطة لاحقاً أن عدداً من الضحايا جرى تجنيدهن من داخل مدرسة رويال بالم بيتش الثانوية.

"فريق الأحلام" القانوني يواجه الضحايا

واستعاد سبنسر كوفين، الذي كان يمثل ثلاثة من ضحايا إبستين في ذلك الوقت، في الفيلم تفاصيل التحقيق، متحدثا عن القوة التي تمتع بها فريق المحامين الذي دافع عن الممول.

وقال إن التقارير كانت تشير على نطاق واسع إلى أن إبستين وفريقه القانوني كانوا يلاحقون بعض الضحايا بسيارات دفع رباعي سوداء، ويظهرون أمام منازلهن.

وكان المحقق الرئيسي، جو ريكاري، وفريق التحقيق يحققون أيضاً في القضية، وطلب كوفين مقابلة إبستين.

وأشار أن إبستين اختار مقهى ستاربكس في وسط مدينة ويست بالم بيتش لعقد اللقاء، مضيفا أنه عندما جلس معه وبدأ الحديث، كان إبستين يدير رأسه باستمرار وينظر حوله، فسأله عما يفعله.

وأوضح كوفين إنه لن ينسى أبدا إجابة إبستين عندما قال له: "ليس لديك أدنى فكرة عما يفعلونه بي"، وبحسب كلامها، كان المحققون ينقبون أيضاً في النفايات الشخصية للمحقق الرئيسي ريكاري.

وقال إن ريكاري أخبره بأنه لم ير عملية من هذا النوع من قبل.

صفقة إقرار بالذنب أثارت الجدل

ورغم التحقيق المكثف الذي أجرته شرطة بالم بيتش، انتهت القضية في نهاية المطاف إلى صفقة إقرار بالذنب أثارت جدلاً واسعاً.

وواجه إبستين بموجبها ما وصفه منتقدون بأنه حكم مخفف بصورة لافتة، بعد ضغوط مكثفة من فريقه القانوني.

وقال كوفين إن التهم التي وُجهت في النهاية إلى إبستين كانت التماس الدعارة من قاصر، معتبراً أن ذلك يعني عملياً وصف الضحايا بأنهن عاهرات.

وقضى إبستين في نهاية المطاف 13 شهراً من أصل حكم بالسجن لمدة 18 شهراً، قبل أن يعود سريعاً إلى المجتمع الراقي، ويستأنف اختلاطه بأشخاص من أصحاب النفوذ، من بينهم بيل غيتس والأمير أندرو.

وفي السنوات التي سبقت اعتقاله للمرة الثانية ووفاته، وُجهت إلى إبستين اتهامات بالاعتداء على مئات الأشخاص، كما زُعم أنه كان يتاجر بالضحايا لصالح رجال أكثر نفوذا، ولا يزال الناجون من جرائمه يسعون إلى معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة.

ملفات إبستين تعيد القضية إلى الواجهة السياسية

ولم يعد ملف إبستين مقتصرا على التحقيقات الجنائية أو شهادات الناجين، بل تحول أيضاً إلى قضية سياسية في الولايات المتحدة.

وانضم النائبان الجمهوريان توماس ماسي ومارجوري تايلور غرين إلى الديمقراطيين في حملة للمطالبة بإطلاق ملفات إبستين، في خطوة وضعتهما في خلاف مع الرئيس دونالد ترامب.

وخلال حديثها إلى زملائها الناجين ومؤيدي القضية في مبنى الكابيتول، ظهرت ليزا فيليبس وهي تقول إن قضية إبستين تمثل مسألة "تتحد فيها أمريكا أخيراً".

ورغم أن وزارة العدل الأمريكية نشرت نحو 3.5 مليون صفحة من الملفات المرتبطة بإبستين، فإن مشرعين يقولون إن ما يقرب من نصف السجلات لا يزال غير منشور.

وتشير تقديرات فيدرالية إلى أن وزارة العدل لا تزال تحجب ما بين 2.5 مليون و3 ملايين وثيقة مرتبطة بتحقيقات إبستين.

وبعد سبع سنوات من وفاته، لا تزال قضية جيفري إبستين عالقة بين رواية رسمية تؤكد أنه انتحر داخل زنزانته، وشهادات وأسئلة وشكوك لم تتوقف عن الظهور، بينما يواصل الناجون الضغط من أجل كشف كامل للملفات ومعرفة ما جرى وراء واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في التاريخ الجنائي الأمريكي الحديث.

تم نسخ الرابط