إيران توسع حربها السيبرانية ضد الغرب وتستهدف البنية التحتية الحيوية
لم تعد الهجمات السيبرانية بالنسبة إلى إيران مجرد وسيلة لجمع المعلومات أو تنفيذ عمليات محدودة، بل تحولت على مدى السنوات الماضية إلى إحدى الأدوات الرئيسية التي تستخدمها طهران للضغط على الدول الغربية وتهديد البنية التحتية الحيوية واستهداف المدنيين.
ووفقًا لتقرير نشرته مجلة «ناشونال إنترست»، طورت إيران خلال العقد الماضي قدرات سيبرانية هجومية مكنتها من استهداف أنظمة المياه والكهرباء في الولايات المتحدة وأوروبا، في تحركات يقول التقرير إنها تعكس سعيًا لإلحاق أضرار مباشرة بالبنية التحتية والسكان المدنيين، متجاوزة بذلك الحدود الجغرافية والقيود المرتبطة بالمواجهة العسكرية التقليدية.
ولا تبدو هذه العمليات، بحسب التقرير، مجرد إجراءات دفاعية أو ردود فعل ظرفية، وإنما جزءًا من استراتيجية أوسع للنظام الإيراني تهدف إلى استخدام التخريب والابتزاز لفرض إرادته، مستفيدًا من انخفاض تكلفة الهجمات السيبرانية مقارنة بالمواجهة العسكرية المباشرة.
استهداف أنظمة المياه
وتسعى طهران، بحسب التقرير، إلى استغلال نقاط الضعف في أنظمة البنية التحتية لاستهداف إمدادات المياه في مناطق من الخليج والولايات المتحدة، بما يفتح الباب أمام مخاطر مباشرة على السكان المدنيين.
وفي مواجهة هذه الأنشطة، فرضت واشنطن عقوبات ضمن ما أطلق عليه «عملية المنبوذ الاقتصادي»، واستهدفت نحو 60 كيانًا وفردًا وسفينة مرتبطة بالنظام الإيراني.
وشملت العقوبات عناصر من وزارة الاستخبارات الإيرانية، اتهمتهم الولايات المتحدة بالتورط في عمليات اختراق واسعة للبنية التحتية الأمريكية وعمليات سرقة إلكترونية.
وجاءت هذه الإجراءات بعد هجمات إيرانية موثقة استهدفت أنظمة المياه والصرف الصحي في ما يصل إلى 12 ولاية أمريكية، حيث تمكنت العمليات من تعطيل أنظمة التحكم والضغط، في وقت حذرت فيه السلطات الأمريكية مرارًا من تهديد وصفته بأنه «عاجل ومستمر» مصدره إيران.
هجمات متزامنة مع الصراع العسكري
ومع تصاعد الصراع الحالي، كثفت إيران استخدام أدواتها السيبرانية بالتوازي مع تحركاتها العسكرية، في محاولة لزيادة الضغوط على الولايات المتحدة وحلفائها.
وتوفر الهجمات السيبرانية لطهران وسيلة لاستهداف بنية تحتية أمريكية بعيدة عن نطاق صواريخها التقليدية، بما يتيح لها إلحاق أضرار محتملة من دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
وفي الوقت نفسه، يواصل الجانب الإيراني استهداف محطات تحلية المياه في منطقة الخليج، بما في ذلك البحرين والكويت، منذ بداية الحرب، وفقًا لما أورده التقرير.
سجل من الهجمات يعود لأكثر من عقد
ويشير التقرير إلى أن سجل إيران في مجال الهجمات السيبرانية يمتد لسنوات، إذ ارتبطت عناصر من الحرس الثوري الإيراني باختراق سد في ولاية نيويورك عام 2013.
وفي عام 2020، اتُهم قراصنة إيرانيون بمحاولات للتلاعب بمستويات الكلور في منشآت للمياه في إسرائيل، قبل أن تتواصل لاحقًا عمليات اختراق أنظمة المياه الأمريكية، والتي أدت بدورها إلى فرض عقوبات جديدة.
كما تمكن قراصنة إيرانيون، وفق التقرير، من إخراج محطة كهرباء بريطانية من الخدمة لعدة أيام، في حادثة عكست المخاطر التي يمكن أن تشكلها القدرات السيبرانية الإيرانية على البنية التحتية الحيوية خارج الشرق الأوسط.
ويستفيد القراصنة الإيرانيون من نقاط الضعف الموجودة في أنظمة المياه الأمريكية القديمة، التي يصل عددها إلى نحو 170 ألف منظومة، إضافة إلى الثغرات الأمنية في البنية التحتية الرقمية، لتنفيذ هجمات منخفضة التكلفة نسبيًا، لكنها قد تكون ذات تأثير واسع.
اتهامات أمريكية لشبكة «معهد مبنا»
وفي إطار مواجهة هذه الأنشطة، كشفت وزارة العدل الأمريكية عن لائحة اتهام بحق 17 عضوًا في «معهد مبنا» الإيراني، الذي تتهمه واشنطن بالتورط في عمليات سرقة بيانات من مئات الجامعات والشركات والوكالات الحكومية.
وتشير الاتهامات إلى أن نحو نصف الجهات المستهدفة كانت داخل الولايات المتحدة، وأن عمليات سرقة البيانات جرت لحساب الحرس الثوري الإيراني وجهات أخرى مرتبطة بالنظام.
وتعكس هذه القضية، إلى جانب العقوبات الأمريكية، اتساع نطاق المواجهة بين واشنطن وطهران من المجال العسكري التقليدي إلى الفضاء السيبراني، حيث أصبحت البنية التحتية المدنية هدفًا محتملًا ضمن الصراع بين الجانبين.
واشنطن تتجه إلى الرد السيبراني
وتشمل الإجراءات الأمريكية الحالية السماح لشركات خاصة خضعت للتدقيق بتنفيذ عمليات سيبرانية مضادة ضد منظمات إجرامية مرتبطة بإيران.
ويقدم مؤيدو هذه الإجراءات باعتبارها وسيلة لرفع تكلفة الهجمات التي تنفذها الجهات المرتبطة بطهران، والحد من قدرتها على استغلال الثغرات الموجودة في البنية التحتية الغربية.
وبحسب التقرير، فإن تصعيد الإجراءات الأمريكية يعكس إدراكًا متزايدًا بأن القدرات السيبرانية أصبحت جزءًا أساسيًا من أدوات إيران في حربها غير المتكافئة ضد الولايات المتحدة وحلفائها، بعدما وفرت لطهران وسيلة لتهديد أهداف بعيدة جغرافيًا وتنفيذ عمليات تخريبية بكلفة أقل من العمليات العسكرية التقليدية.



