الحديث عن فكرة بيع أو رهن قناة السويس لا يجب ان نأخذه بعيدا عن مباراة اشبه بمباراة كرة قدم تدور حاليا علي الساحة الدولية بين فريقين متنافسين و لكن ليس على كرة حقيقية و لكن على كرة أهم تتمثل في طريقين للتجارة الدولية ،خاصة في ظل وجود اهتمام دولي و شعبي كبير حاليا بأهمية الممرات و الطرق البحرية خاصة بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران و اغلاق مضيق هرمز و التهديد بإغلاق باب المندب ، و لكن هناك عوامل سياسية خلف تشجيع كل قوي كبري للفريق او للطريقين اللذان يمران عبر الشرق الأوسط ، فهناك انقسام حاليا في العالم بين دول تري أن طريق الحرير الصيني القديم أو ما يعرف الآن مبادرة الحزام والطريق الصينية هو الأفضل وفريق يرى أن طريق البهارات الهندي هو الافضل و هو المشروع التجاري الذي يربط الهند بأوروبا عبر الشرق الأوسط حيث يتألف من ممرين منفصلين، أحدهما يربط الهند بالخليج العربي والآخر يربط الخليج العربي بأوروبا ويمتد هذا الطريق من موانئ الهند إلى أمريكا عبر للإمارات و السعودية والأردن ثم إسرائيل وإيطاليا،
و يعد منافساً لطريق الحرير الصيني ، الفريق الاول تتزعمه بالطبع الصين بينما الفريق الثاني تقوده الولايات المتحدة ، و يقف الفريق الأول خلف مبادرة الحزام والطريق و التي أطلقتها الصين عام 2013، على فكرة طريق الحرير التجاري في القرن التاسع عشر والذي ربط الصين بالعالم، وتهدف إلى توسيع التجارة العالمية من خلال إنشاء شبكات من الطرق والموانئ والمرافق الأخرى عبر بلدان عديدة في آسيا وإفريقيا وأوروبا.ويهدف هذا المشروع إلى تحسين العلاقات التجارية بين آسيا وأوروبا وإفريقيا وحتى خارجها، من خلال بناء الموانئ والسكك الحديد والمطارات أو المجمّعات الصناعية، ممّا يسمح للعملاق الآسيوي بالوصول إلى المزيد من الأسواق وفتح منافذ جديدة أمام شركاته. غير أن معارضيه يعتبرون أن بكين تهدف من خلاله إلى تعزيز نفوذها السياسي، كما ينتقدون الديون الخطرة التي يرتّبها على الدول الفقيرة.
أما الفريق الثاني فيقف خلف المشروع التجاري الذي يربط الهند بأوروبا عبر الشرق الأوسط ويعد منافساً لطريق الحرير الصيني هو الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC) ، و هو مشروع طموح أُعلن عنه خلال قمة مجموعة العشرين في نيودلهي عام 2023؛ لربط الهند بأوروبا عبر خطوط سكك حديدية ونقل بحري لتسريع التجارة ونقل الطاقة والبيانات ، و يتألف من ممرين؛ الأول بحري يربط موانئ الهند بدول الخليج العربي (السعودية والإمارات)، والثاني بري عبر خطوط سكك حديدية تمر بالمنطقة العربية وصولاً إلى أوروبا. و يُنظر إليه كاستجابة غربية وأمريكية لمبادرة الحزام والطريق الصينية (طريق الحرير الجديد)، وقد وقعت كلا من الولايات المتحدة والهند والسعودية والإمارات وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والاتحاد الأوروبي، على هامش قمة العشرين في نيودلهي آنذاك، مذكرة تفاهم لإنشاء هذا الممر الذي يشمل سككا حديدية وربط موانئ ومد خطوط وأنابيب لنقل الكهرباء والهيدروجين بالإضافة إلى كابلات لنقل البيانات.بهدف تعزيز النفوذ الاقتصادي وتوفير طرق بديلة وأسرع للشحن التجاري العالمي و نقل الطاقات المتجددة والهيدروجين النظيف عبر كابلات وخطوط أنابيب، من أجل تعزيز أمن الطاقة وتطوير الطاقة النظيفة، فضلاً عن تنمية الاقتصاد الرقمي وتعزيز النقل الرقمي للبيانات من خلال كابلات الألياف البصرية.
ووصفت وثيقة الإعلان عن المشروع بأن الممر سيكون "جسراً أخضراً ورقمياً عبر القارات والحضارات ، ويتشابه الممر الاقتصادي الجديد مع طريق الحرير الصيني خاصة من حيث الهدف الذي يتمثل في تعزيز الروابط بين الدول في مختلف القارات، لكن مبادرة "الحزام والطريق" الصينية تعد أكبر من حيث الحجم مقارنة بالممر الجديد.
وبالنسبة للفريق الثاني الذي يضم قادة مجموعة السبع الصناعية الكبري فقد تعهدوا خلال اجتماع في اليابان مؤخرا بحشد 600 مليار دولار بشكل جماعي بحلول عام 2027 لمواجهة "مبادرة الحزام والطريق" الصينية، بينما قائدة الفريق الأول و هي الصين أكدت في عام 2013 عن توقيعها اتفاقيات في إطار مبادرة الحزام والطريق مع أكثر من 150 دولة وأكثر من 30 منظمة دولية، فيما حشدت ما يقرب من تريليون دولار مع إنشاء أكثر من ثلاث آلاف مشروع. وترمي الصين إلى الانتهاء من مشروع طريق الحرير بحلول عام 2049.
واللافت أن بعض الدول الموقعة على الممر الاقتصادي الجديد هي ضمن دول مبادرة "الحزام والطريق" مثل السعودية والإمارات، فيما يرى مراقبون أن هناك بعض مؤشرات تشير إلى أن الصين قد لا تستطيع فعليا تسجيل هدف الفوز بالمباراة و الانتهاء من تنفيذ المبادرة عام ٢٠٤٩ بسبب ما يعانيه اقتصادها من مشاكل راهنة.
ولان المباراة في الأساس خلفها دوافع سياسية فقد سارعت عدة دول بتوجيه الاتهام للصين بالسعي من وراء تنفيذ طريق الحرير إلى زيادة نفوذها الاستراتيجي دون الأخذ في الاعتبار مصالحها، فضلاً عن تأثير المشاريع على البيئة.وقد أشار نائب رئيس الوزراء و وزير خارجية إيطاليا أنطونيو تاجاني لدي زيارته لمصر منذ أيام إلي أهمية الممر الخاص بالهند و البنية التحتية بين الهند و الشرق الأوسط ومصر و الخليج و البحر المتوسط و مارسيليا في فرنسا بحيث سيكون هناك مسار آخر لنقل الغاز و عبوره عبر مصر والبحر المتوسط بالتعاون مع الجانب المصري دون الاستغناء عن النقل البحري و أشار إلي وجود التزام مصري بتنفيذ هذا المسار المهم و أن الرئيس عبد الفتاح السيسي ابدي خلال لقائهما رؤية إيجابية في هذا الاطار و انه أمر مهم للنمو الاقتصادي للشعبين ، مع ملاحظة أن إيطاليا، هي البلد الوحيد داخل مجموعة السبع الذي انضم إلى مبادرة "الحزام والطريق"، ثم أعلنت إنها سوف تنسحب من المبادرة وسط تصاعد التوتر بين الصين وتايوان وحرص الولايات المتحدة على اصطفاف حلفائها الغربيين إلى جانبها مع اتخاذ موقف صارم ضد الصين ، في حين أشار البيان المشترك المصري الصيني عقب زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ لمصر على أن مصر تؤيد مبدأ الصين الواحد وأن تايوان جزء لا يتجزأ من الصين ،
و الواضح من المباراة الجارية حاليا بين مشجعي فريق مبادرة الحزام و الطريق و هم الصين و أصدقائها و من سيستفيد من مشروعها و في المقابل مشجعي فريق طريق البهارات الهندي و هم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب و الدول الصناعية السبع و حلفائهم ان هناك دول مثل مصر و السعودية لا تريد ان تصبح بين المطرقة و السندان في تلك المباراة وتريد الاستفادة من المبادرتين في إطار مصالحها كدولة تقع علي خط الممرين، خاصة و انها تدرك أن الأهداف الجيوسياسية الرئيسية وراء تنفيذ طريق البهارات الهندي لدى صانعي القرار في الولايات المتحدة وأوروبا تتمثل في الدخول في تنافس مع مبادرات البنية التحتية العالمية التي تقودها الصين بهدف الحد من نفوذها في الشرق الأوسط و أفريقيا،
بينما يري بعض المعلقين على تلك المباراة أن الافتقار إلى الوصول المباشر إلى آسيا الوسطى وما وراءها يقيد خيارات الفريق الثاني لمبادرة البهارات الهندية، بينما يرى معلقين آخرين ان الدعم الأمريكي ودعم دور اخري صناعية كبري كفيل بانجاح فريق البهارات الهندي لأنه تكتل اقتصادي لا يستهان به ، خاصة و أن الفريق الأول يقف خلفه التمويل الصين فقط
كما ان طريق البهارات الهندي او الممر الاقتصادي الجديد ليس مجرد ممر اتصال متعدد المراحل، لكنه أيضاً مشروع يهدف إلى إنشاء خطوط أنابيب لنقل الهيدروجين الأخضر وكابلات تحت الماء للاتصال الرقمي ونقل البيانات، فضلاً عن تعزيز الاتصالات ، و يشير المعلقون ان أكثر من 70٪ من مشاريع البنية التحتية الخاصة بالممر الاقتصادي الجديد موجودة بالفعل ، وسيصب في صالح دول جنوب شرق آسيا بمجرد إنشاء الأجزاء الشرقية والغربية منه ، و ستكون الهند هي قائدة الفريق الثاني او محمد صلاح المباراة لانها ستكون الأكثر استفادة ،حيث سيضعها المشروع في قلب حركة التجارية المارة من جنوب شرق آسيا إلى الشرق الأوسط وأوروبا، مما يمنحها مزايا استراتيجية واقتصادية كما سيعمل الممر على تأمين سلاسل التوريد وخلق فرص عمل جديدة وتعزيز التجارة. و سيسهل حركة نقل البضائع بين الهند والخليج والشرق الأوسط وأوروبا بما يتجاوز المناطق المضطربة في باكستان وأفغانستان ،
و هنا يبرز السؤال الأهم ما هو وضع قناة السويس المصرية في وسط هذه المباراة؟
الامر المؤكد أن قناة السويس تأثرت اقتصاديا بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية علي إيران و اغلاق مضيق هرمز و لكنها لازالت هي الطريق الاقل كلفة للنقل البحري لان عملية النقل عبر طريق البهارات الهندي الجديد مكلفة و تستغرق وقتا طويلًا، مما يجعلها قد تكون غير مجدية من وجهة نظر اقتصاديات النقل البحري ، و المعروف ان حوالي 12% من التجارة البحرية عالميًا تمر عبر قناة السويس، البوابة الأقصر بين أوروبا وآسيا، و لكنها تواجه مشاكل بسبب حرب غزة و سيطرة الحوثيين علي باب المندب ثم الحرب الأمريكية الإسرائيلية علي إيران و اغلاق مضيق هرمز الامر الذي ادي الي فقدان مصر 7 مليارات دولار من إيرادات القناة خلال 2024 وهو ما يمثل انخفاضا بأكثر من 60% مقارنة بعام 2023 ، و لكن ماذا عن الخسائر المحتملة للقناة في حالة تنفيذ ممر البهارات الهندي الذي يركز أكثر على ممر بين إسرائيل والأردن ؟ و يري بعض المعلقين ان الممر الهندي ليس منافسا لقناة السويس وأن عمليات النقل قد تقتصر على أنواع محددة من الطاقة والبضائع والصناعات المرتبطة بالمشروعات الجديدة في تلك المناطق التي سوف تجذب استثمارات ضخمة لها، و لكن بالطبع فإن الممر الجديد سيكون له تاثيراته علي دخل قناة السويس في حين ان طريق الحرير الصيني يركز علي الاستفادة من قناة السويس بشكل أكبر ، و هو ما يفسر أحد أسباب زيارة الرئيس الصيني لمصر في هذا التوقيت و اتخاذ مصر لموقف واضح مؤيد للصين الواحدة و أن تايوان جزء من الصين ، فهناك تخوفات مصرية من طريق البهارات الهندي و سعيه لتقوية موقف إسرائيل علي حساب مصر و قناة السويس ، و بالتالي هناك حاجة لوضع إستراتيجية مصرية طويلة الأمد لمواجهة المبادرات التجارية الدولية بين الفريقين المتنافسين و الاستفادة من كلا المبادرتين لصالح مصر و قناة السويس في ظل مباراة حامية تدور بين فريقين يسعيان لإعادة تشكيل خريطة التجارة العالمية في المستقبل بما يخدم مصالح الدول الكبرى فقط في ظل تنافس محموم بين مشجعي فريق مبادرة الحرير الصينية و مشجعي مبادرة البهارات الهندية و مشجعي كل فريق .