عاجل

لعل من أهم ما يجذب انتباه الجمهور المتصفح الآن للمنصات الرقمية هي الفيديوهات القصيرة أو ما يعرف بالريلز ، الذي يعطي الجمهور المعلومات السريعة في مقتطفات مصورة بالفيديو، فلم يعد الجمهور الآن لديهم الوقت الكافي لقراءة محتوى نصي قصير أو طويل ، وليس لديه أيضا الوقت الكافي لمشاهدة الفيديوهات الطويلة ، فقد جعلت تلك المنصات المستخدم يظن أنه مشغول دائما ، وليس لديه الوقت الكافي لمشاهدة الموضوعات الطويلة والمعقدة ، وهو ما يمكن تسميته (الانشغال الوهمي) حيث إنه لا يستطيع قضاء وقت طويل نسبيا أمام مطالعة تقرير أو مقال ، لكنه يقضي الساعات الطوال لتصفح الفيديوهات القصيرة التي لا تنتهي حول الموضوعات المفضلة لديه والتي ترشحها له خوارزميات الذكاء الاصطناعي . 

والحقيقة أننا أمام مفارقة في البيئة الرقمية ، فكثرة التعرض للمعلومات لا تعني بالضرورة زيادة المعرفة الإنسانية ، ولا زيادة الوعي الثقافي ، بل ربما تؤدي لنتيجة عكسية تماما ، حيث يقوم التعرض الكثيف لهذا النوع من المحتوى لإيصال المستخدم إلى حالة من التشتت نظرا للتعرض لمعلومات ربما تكون متناقضة أحيانا ، فستجد من يطلون عليك من الريلز يحذرونك من تناول البيض لأنه قد يزيد من الكولسترول أو يتسبب في التسمم الغذائي ، وستجد أيضا من يحثونك على تناول البيض لأنه غني بالبروتين ووالفيتامينات ، وتظل الحقيقة والمعلومة المتزنة ذات الموثوقية والمصداقية هي أولى وأخطر ضحايا هذا النمط من الاتصال . 

ويزداد خطورة الأمر حين يتناول هذا المحتوى المرئي قضايا دينية أو قضايا تمس الأمن القومي ، حيث لا يمكن أن يأخذ الإنسان دينه عن من يقومون بإنتاج محتوى مرئي أو ريلز يحاولون من خلاله جذب الانتباه بأي طريقة دونما اعتبار لتقديم المعلومات الصحيحة والموثوقة ، فستجد مئات الفيديوهات القصيرة التي تحذر من الاحتفال بالمولد النبوي الشريف على سبيل المثال ، وستجد بالمقابل مئات الفيديوهات الأخرى التي تدعو إلى الاحتفال بهذه الذكرى العطرة ، وستجد من يقومون بإنتاج فيديوهات – تحت وطأة الذيوع والشهرة وركوب الترند- يطلقون الشائعات التي يمكن أن تضر بأمن المجتمع واستقراره ، لذا فإن المشهد الرقمي الذي يسيطر عليه الآن المحتوى المرئي القصير لابد معه  من وقفة جادة حتى يدرك المستخدمون أنهم في الأصل ضحية لمن يسرق انتباههم وأوقاتهم التي هي أثمن ما خلق الله للإنسان ، كما قال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ ) . 

المشكلة الآن ليست في كثرة الريلز في المنصات الرقمية ولا في تتابعها بقدر ما هي في فقدان قدرة المستخدمين على التمييز والاختيار ، لذلك فإنني أدعو بشدة إلى نشر ثقافة التعامل الرشيد مع المنصات الرقمية ، وفهم عمل الخوارزميات التي تنظم عرض المحتوى الرائج حتى لا يقع المستخدم أسيرا لها ، أو ما يمكن تسميته بمحو الأمية الخوارزمية ، وضرورة وجود مقرر للتربية الإعلامية في المدارس والجامعات لتوجيه الشباب لمكامن الخطر وآليات مواجهة مخاطر المنصات الرقمية ، حيث إننا بحاجة الآن  إلى هذا المقرر أكثر من أي وقت مضى ، قبل أن تسيطر الخوارزميات والذكاء الاصطناعي على الإنسان!

تم نسخ الرابط