عاجل

جهود غير مسبوقة وإرادة سياسية حقيقية يقودها الرئيس عبد الفتاح السيسي لإحياء القاهرة التاريخية، القلب النازف بالتاريخ والروح والثقافة الإسلامية. لم تكن هذه الجهود مجرد عمليات ترميم تقليدية لمجموعة من الآثار، بل هي مشروع متكامل لإحياء العمران والذاكرة الوطنية، وإعادة العاصمة التاريخية لمصر الذي استمدته عبر قرون من الزمان عاصمة للخلافة، ومركزاً للحضارة، ومنارة للعلم والفكر.
​تمثل القاهرة التاريخية، وتحديدا شطرها الإسلامي، متحفاً مفتوحاً يختزل تاريخ مصر الإسلامية منذ العصر الفاطمي وحتى العصر العثماني مروراً بالأيوبي والمملوكي. إلا أن هذا التراث العظيم تعرض طوال عقود طويلة لعوامل إهمال جسيمة، وتعديات عمرانية عشوائية، وارتفاع في منسوب المياه الجوفية، مما هدد بانهيار بنيتها المعمارية الفريدة. ومن هنا انطلق التوجيه الرئاسي الواضح والحاسم بضرورة التعامل الشامل مع هذا الملف، ليس فقط كآثار صامتة، بل كمشروع حضاري وتنموي متكامل يعيد للمكان قيمته الإنسانية والعالمية، ويدمجه في منظومة التنمية المستدامة للدولة المصرية الحديثة.
و​يرتكز المشروع الرئاسي لإحياء القاهرة الإسلامية على عدة محاور استراتيجية متوازية. ويأتي في مقدمتها الترميم الشامل والدقيق للمساجد الأثرية الكبرى والمنشآت الملحقة بها، وفق أحدث المعايير العلمية والعالمية. لقد شهدت السنوات الأخيرة ملحمة هندسية في ترميم مساجد آل البيت، مثل مساجد الإمام الحسين، والسيدة نفيسة، والسيدة زينب، والسيدة رقية، إلى جانب المساجد التاريخية الكبرى كمسجد الحاكم بأمر الله، ومسجد الأقمر، ومسجد السلطان حسن، ومجمع السلطان الأشرف قايتباى. ولم تقتصر هذه الأعمال على الجوانب الإنشائية والمعمارية فحسب، بل امتدت لتشمل إعادة إحياء الحرف التقليدية المرتبطة بفن العمارة الإسلامية، كصناعة الزجاج المعشق، والتعشيق الخشبي، والزخرفة الجصية، مما يضمن نقل هذه المهارات التراثية للأجيال القادمة.
​ولا يقل محور تطوير النسيج العمراني والعمران التاريخي أهمية عن ترميم الآثار المنفردة. فقد تبنت الدولة رؤية واعية لإزالة التناقض البصري والعشوائي بين المباني الحديثة والكتل الأثرية العريقة. تمثل ذلك بوضوح في تطوير منطقة "باب زويلة" وشارع المعز لدين الله الفاطمي ومنطقة الحطابة والدرب الأحمر. إن الهدف لم يكن مجرد التجميل السطحي، بل تحسين جودة الحياة للسكان المقيمين في هذه المناطق التاريخية، والارتقاء بالبنية الأساسية من شبكات مياه وصرف صحي وإنارة، بما يتناسب مع القيمة الأثرية للمكان دون تهجير أهله، بل دمجهم كشركاء أساسيين في عملية الحفاظ والتنمية.
​ويبرز مشروع مسار آل البيت كأحد أهم الابتكارات التخطيطية في هذه النهضة العمرانية. ويربط هذا المسار بين مختلف المزارات التاريخية والدينية في جنوب القاهرة، بدءا من مسجد الإمام الشافعي مروراً بمساجد آل البيت وصولاً إلى قلعة صلاح الدين الأيوبي. ويتيح هذا المسار للسائح والزائر تجربة روحية وثقافية فريدة من خلال مسارات مشاة مجهزة بجميع الخدمات السياحية والثقافية، واللوحات الإرشادية، والمسطحات الخضراء، والساحات المفتوحة التي تمنح المتنفس للمنطقة وتخلصها من التكدس والاختناق المروري، مما يسهم في وضع القاهرة الإسلامية على خريطة السياحة العالمية اللائقة بها كواحدة من أهم المدن التراثية في العالم.
​ولا يمكن فصل هذا الجهد المعماري عن البعد الثقافي والتنويري الذي يؤكد عليه الرئيس السيسي باستمرار، فالعمارة الإسلامية ليست حجارة محفورة، بل هي وعاء لفكر وثقافة وحضارة إنسانية عريقة. ومن هنا جاء الاهتمام بتحويل بعض المباني الأثرية المرممة إلى مراكز إشعاع ثقافي وفني، تستضيف الندوات والفعاليات والأمسيات الروحية، وتعيد إحياء فنون الخط العربي، والتجويد، والموسيقى الروحية والصوفية المرتبطة بالتراث المصري الأصيل. إن هذا الربط بين التراث المادي وغير المادي هو ما يمنح المشروع عمقه الحقيقي، مستعيداً دور القاهرة كحاضنة للفكر المستنير والوسطية الثقافية.
و​على الصعيد الاقتصادي والتنموي، ينظر إلى إحياء القاهرة الإسلامية باعتباره استثمارا استراتيجيا طويل الأمد. إن تحويل هذه المنطقة إلى مزار سياحي عالمي متكامل يسهم بشكل مباشر في دعم الاقتصاد الوطني من خلال تعظيم عوائد السياحة الثقافية، وتوفير فرص عمل جديدة للشباب والحرفيين وأهالي المنطقة في مجالات السياحة، والصناعات الحرفية التقليدية، والخدمات الثقافية. إنها رؤية تربط بين الماضي العريق والمستقبل الواعد، وتؤكد قدرة الدولة على الاستفادة من إرثها التاريخي كقوة ناعمة ورافد اقتصادي حيوي. ويعكس هذا الاهتمام الرئاسي إرادة سياسية لحفظ الهوية الوطنية في مواجهة محاولات الطمس أو التغريب. إن ترميم الذاكرة البصرية والعمرانية لمصر هو تأكيد مستمر على عمقها الحضاري وانتمائها العربي والإسلامي والإفريقي والمتوسطي. عندما يقف الزائر أمام مئذنة أثرية رممت بعناية في الدرب الأحمر، أو يتجول في شارع تاريخي ينبض بالحياة، فإنه يدرك أن مصر لا تبني مستقبلها فحسب، بل تصون ماضيها بكل فخر واعتزاز. إن اهتمام الرئيس عبد الفتاح السيسي بإحياء القاهرة الإسلامية يمثل ملحمة وطنية بكل المقاييس. إنه يتجاوز حدود الترميم الهندسي إلى إعادة بعث الروح في جسد التاريخ المصري العريق. إن ما تحقق على أرض الواقع خلال السنوات القليلة الماضية يعيد للقاهرة هيبتها التاريخية ومكانتها العالمية كعاصمة للثقافة والحضارة، مؤكداً أن الأمم العظيمة هي التي تعرف كيف تستلهم أمجاد الماضي لبناء مستقبل مشرق يليق بعراقتها وتاريخها الخالد.

تم نسخ الرابط