عاجل

تغطية جنازة المرحومة ياسمين أبو النجا تبرز الانحدار المهني والأخلاقي الذي وصلنا له، وانعدام الدم وفقدان الإحساس.

مرة ثانية وعشرين ومائة تتكرر مهزلة التصوير الجائر الفج في الجنازات والأفراح وبقية المناسبات بعدم إحساس وتنطع بلا تقدير للموقف ولا لمشاعر المكلومين، ولا إجلال لحرمة الموت والاعتداء السافل على خصوصية الناس ثم التهديد والابتزاز. لذلك فعلت خيراً زوجة الراحل هاني شاكر عندما منعت دخول المصورين الجنازة ولا العزاء. شيء حقير أن تصبح أوجاع الناس ومصابهم فرجة ونسب مشاهدة، وكيف يسمح محرر موقع أو صحيفة بوضع فيديو أو صور لشخصيات سياسية أوهنها السن أو المرض للاتكاء على عصا أو مرافق؟ وأظن أن من أسباب هذه الظاهرة تدني الحس الإنساني في مجتمعاتنا، وأصبح المكسب الرخيص أسلوب حياة، سواء من التطفل على الشخصيات المشهورة في أضعف لحظاتها، إلى العناوين الجاذبة للـ reach دون وجود أي محتوى صحفي حقيقي.

للأسف أصبحت مهنة مراسل الموبايل هي مهنة من لا مهنة له، وذلك يسيء لممتهني الصحافة الحقيقية. ومن المؤكد أن معظم المشاكل التي أثيرت مؤخراً وأزعجت الرأي العام كان التصوير الخفي والنشر هما السبب، فقد تحول التصوير فجأة إلى هوس في كل مكان وفي مختلف الظروف، حتى تلك التي لا تحتمل ذلك، خاصة بعد أن حولت وسائل التواصل كثيراً من الناس إلى مراسلين يرصدون كل الوقائع مهما كانت خصوصيتها، ولا يقيمون أي مراعاة لأصحابها.

بسبب هذا الهوس انتقل التصوير إلى كل مكان ودون استئذان، وخلال لحظات تجد تلك اللقطات قد عبرت العالم أو طالها التشويه، وتركيب الموسيقى والمقاطع والمؤثرات وتم توظيفها لأهداف لا تطابق الواقع. وقد تتعرض لتصوير مفاجئ في الشارع أو داخل مكان خاص، ثم تفاجأ بنشر المقطع أو تداوله على السوشيال ميديا، حيث يلجأ البعض إلى سلوكيات لا يقبلها هو على نفسه ولا على أهله، ويسمح لنفسه بالتلصص على الآخرين واختلاس صورة بهاتفه دون استئذان.

وهكذا تحولت التقنيات الحديثة من نعمة إلى نقمة، وتتبدل "اللحظات الخاصة" إلى أمر مشاع على وسائل التواصل الاجتماعي والحريات. وبات سوء استخدام كاميرات الهواتف أمراً مزعجاً للجميع، ويسبب الكثير من المشاكل، فيما شكلت مقاطع الفيديو والصور مشاهد غير لائقة جراء تصوير عشوائي ونشر مواده المصورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. والمشكلة ليست اجتماعية فقط بل قانونية، لأن حماية الخصوصية في مصر لها سند دستوري ونصوص جنائية واضحة. والإجراءات تختلف وفقاً للقانون المصري وتفاصيل الواقعة، خصوصاً في مسألة المكان الخاص والنشر وإثبات عدم الرضا، وهي نقاط تتكرر في ملفات عقوبة التصوير بدون إذن.

وهناك أمور كثيرة مرفوضة يعتقد البعض أنها مباحة، ومنها تصوير الحوادث، وتصوير الضحايا والموتى، في تحدٍ صارخ يمس بشكل مباشر مشاعر ذويهم وإحساسهم، لأن معظم الناس لا يودون رؤية أقربائهم في تلك الظروف التي تمثل ذكرى سيئة لهم، ناهيك عن تبادل المقاطع المفجعة حتى لو كانت منقولة أو منتشرة.

وبيت القصيد هو احترام خصوصية الناس ومشاعرهم خاصة في ظروف دقيقة كالجرائم والحوادث التي تعرضهم لأذى نفسي كبير، بينما لا يكترث كثيرون لذلك، ويعتبرون ما يقومون به عاديًا قام به كثيرون غيرهم، وهم لا يعلمون أن الخصوصية حقًا دستوريًا وقانونيًا لا يمكن التعدي عليها. ذلك أن التصوير خلسة يُعد انتهاكًا لحرمة الحياة الخاصة، ويعاقب عليه القانون بالحبس مدة لا تزيد على سنة، وتمتد العقوبة لتشمل كل من سهّل أو شارك أو أذاع أو نشر هذه الصور بأي وسيلة.

وفيما يتعلق بجريمة الابتزاز، فإن المادة 309 مكرر من قانون العقوبات شددت العقوبة على هذه الأفعال، حيث يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن عام كل من التقط أو حصل أو نشر صورة دون موافقة صاحبها، وكل فعل من هذه الأفعال يُعد جريمة مستقلة بذاتها، حتى وإن لم يكتمل باقي السلوك الإجرامي.

@نصيحة قانونية: لو تم تصويرك بدون إذنك، من حقك تقديم بلاغ في قسم الشرطة أو النيابة العامة ضد من قام بالتصوير، خاصة لو تم نشر المقطع على السوشيال ميديا.

تم نسخ الرابط