عاجل

أثار الدكتور أسامة حمدي، أستاذ علاج السكري بكلية الطب في جامعة هارفارد، نقاشًا واسعًا بعد نشره مقالًا عبر صفحته الشخصية، رصد فيه عددًا من الملاحظات التي خرج بها بعد زيارته الأخيرة إلى مصر. ما يميز المقال أنه فتح، بلغة مباشرة ونقاط واضحة، حوارًا مجتمعيًا مهمًا وواقعيًا حول قضايا تمس الحياة اليومية للمصريين، وتفرض نفسها على أي نقاش جاد.
ولا أهدف هنا إلى إعادة نشر ما كتبه، وإنما إلى البناء على الرسائل التي أثارها، لأن كثيرًا من هذه القضايا يمس تطورات مجتمعية لها جذور  اقتصادية وتعليمية وصحية تستحق أن نتوقف أمامها، وأن نناقشها بهدوء وموضوعية، بحثًا عن حلول لا عن إلقاء اللوم.
وربما يكون من أهم ما يستحق النقاش أن الأزمات الاقتصادية لا تظل مردودها مادي فقط، فعندما يشعر الإنسان أن دخله لم يعد يكفي احتياجات أسرته الأساسية، وأن تكلفة الحياة تتسع بصورة أسرع من قدرته على اللحاق بها، فإن الضغوط تنتقل تدريجيًا إلى سلوكه ونظرته إلى المجتمع.
الخوف من العوز قد يدفع البعض إلى حالة من الصراع المحموم للوصول السريع إلى الأمان المالي، مهما كانت الوسيلة ، ليس فقط لتوفير الاحتياجات، وإنما أيضًا للوصول إلى المكانة والقبول الاجتماعي. 
ومع اتساع الفوارق بين المواطنين ، يصبح النجاح في نظر البعض مرتبطًا بما يملك لا بما يقدم، وتتحول المنافسة الاقتصادية إلى ضغط اجتماعي ونفسي، وقد تفرز معها سلوكيات سلبية مهما استنكرناها تظل  كاشفة و لا يمكن فصلها عن الظروف التي أنتجتها.
وهنا يصبح الحديث عن القيم والأخلاق جزءًا من الحديث عن الاقتصاد، وليس ملفًا منفصلًا عنه.
التعليم أيضًا سلاح الطبقة المتوسطة الشرعي للترقي، هو أحد أهم الملفات التي تحتاج إلى نقاش أكثر هدوءًا واستقرارًا.. فاذا كان التطوير ضرورة، خاصة مع تسارع مستجدات العصر العلمية والتكنولوجية، لكن الاستقرار في فلسفة التعليم لا يقل أهمية عن التطوير نفسه.
لم نسمع مثلًا عن تغيير متكرر في فلسفة الشهادة البريطانية أو البكالوريا الدولية أو البرامج التعليمية الأمريكية مع تغير المسؤولين، قد تتغير المنصات، الأدوات ،اضافة او حذف للمحتوي، لكن يظل النظام نفسه راسخ ، بينما اعتدنا في مصر أن ترتبط منظومة التعليم أحيانًا برؤية الوزير الموجود في موقع المسؤولية، فتتغير الاستراتيجيات والتوجهات قبل أن تحصل التجربة السابقة على الوقت الكافي لتقييم نتائجها.
الطلاب والأسر والمعلمون  الذين يمثلون في مجموعهم نحو ثلثي المجتمع ، يحتاجون إلى منظومة واضحة ومستقرة، تعرف إلى أين تتجه، وتمنح أي إصلاح فرصة حقيقية للنجاح قبل الانتقال إلى إصلاح جديد.
والصحة لا تختلف كثيرًا.. فالمستشفيات تواجه ضغطًا متزايدًا على خدماتها، وقوائم الانتظار تمثل تحديًا حقيقيًا ، وحتى البرامج التي توفر العلاج للفئات الأكثر احتياجًا، سواء من خلال التأمين أو العلاج على نفقة الدولة أو المؤسسات العلاجية التابعة لجمعيات المجتمع المدني، جميعها مثقلة بقوائم انتظار  ، تعمل الأطقم تحت ضغط أعداد كبيرة من المستفيدين الذين لا يجدون بديلا عن البحث عن استثناءات ليحصلوا علي فرصة علاج.

كل هذه التفاصيل  ليست مجرد أرقام في تقارير…بل هي جوهر التحدي الذي يجب علينا مواجهته قبل ان نحدد كيف نخاطب المواطن  ونصل اليه بالخدمة والمعلومة ليشعر بنتاج الجهد .. فالقضايا التي تجتمع تحت مظلة" العدالة الاجتماعية " يجب ان تحتل أولوية برامج الحكومة .
الاستماع لأصوات الأسرة المصرية، خصوصًا في الطبقات الفقيرة والمتوسطة، التي تشكو من مواجهة قائمة طويلة من الالتزامات الأساسية. الغذاء والشراب والكهرباء والغاز والمواصلات والتعليم والرعاية الصحية وغيرها.. لم يفلح معها حد ادني للدخل " لا يطبق في اغلب مؤسسات القطاع الخاص ، وكلنا نعلم انه طالما لا يتناسب الدخل مع هذه الالتزامات الاساسية ، سيظل الضغط اليومي مستمرًا علي الفرد والمجتمع..

وفي مثل هذه الظروف، لا يمكن مواجهة الفساد أو التحايل أو بعض السلوكيات السلبية باعتبارها مشكلات أخلاقية فقط. نعم، المسؤولية الفردية موجودة، لكن معالجة جذور المشكلة تحتاج أيضًا إلى مشروع واضح للعدالة الاجتماعية، يقوم على الحقوق والواجبات المتساوية، وعلى تكافؤ الفرص، وعلى شعور المواطن بأن الطريق الطبيعي للنجاح ما زال مفتوحًا أمامه.

لذلك فإن وجود آليات فعالة للرصد والاستماع والاستجابة أصبح ضرورة، كما أن المسؤول الذي يتقاعس عن التحرك بعد وصول المشكلة إليه يجب أن تكون هناك آليات واضحة لمساءلته.

لهذا أعتقد أن النقاش الذي فتحه الدكتور أسامة حمدي يستحق أن يتجاوز حدود المقال نفسه. فهو يضع أمامنا مجموعة من الأسئلة التي لا ينبغي أن نخاف منها.

كيف نحافظ على تماسك المجتمع في ظل الضغوط الاقتصادية؟

كيف نعيد الاعتبار لقيمة العمل والتعليم والانضباط؟

كيف نضمن أن التطوير في التعليم والصحة لا يتحول إلى سلسلة من التغييرات غير المكتملة؟

كيف نستعيد ثقة المواطن في أن صوته مسموع وأن مشكلته محل اهتمام؟

وكيف نفعل مفهومًا أكثر وضوحًا للعدالة الاجتماعية والحقوق والواجبات؟

هذه كلها تبدو في ظاهرها قضايا اقتصادية أو اجتماعية أو خدمية، لكنها في حقيقتها تمس الأمن القومي والسلام المجتمعي.

تم نسخ الرابط