عاجل

ضحك لينين، وانتبه الجميع إلى ضحكته وكانت ضحكته من النوع الذي لا يمر عابرًا ؛ ضحكة تملك المكان لحظات، وتدفع من حولها إلى الالتفات، ولو بدافع الفضول ؛ أما لطفي، فقد سيطر عليه الحرج وتوقف عمرو عن السير وبقي واقفًا في مكانه، بينما كنت أنا ومروان وزغلول نترقب ما سيحدث، وقد تحول المشهد كله في لحظات، من جلسة هادئة إلى مسرح صغير لا نعرف كيف ستنتهي فصوله.
نظر لطفي إلى لينين في خجل وقال:
— هو أنا قلت نكتة ولا إيه يا أستاذ لينين؟
فأجابه لينين وهو لا يزال يضحك:
— أحلى نكتة والله!
هنا استشعر لطفي شيئًا من الاستهجان وكأنه يريد أن يدافع عن نفسه وعن جدية ما قاله فقال:
— ده اتباعنا لسُنّة سيدنا النبي.
فأجاب لينين، بكل احترام وهدوء:
— عليه الصلاة والسلام.
ثم عاد لطفي وقد بدا عليه شيء من الاستغراب:
— أمر مضحك؟!
فنظر إليه لينين وقال عبارته التي زادت المشهد اشتعالًا:
— هي السُّنّة اللي إنت تعرفها قالت كده؟!
فرد لطفي، جازمًا، وكأنه يحسم قضية لا تحتمل النقاش:
— أيوه.
وهنا عادت الضحكة من جديد.
- ما الدي  قلته كي تضحك كل هذا الضحك ؟
قالها لطفي بمنتهي الجدية .. 
وهنا قال لينين وكأنه يوجه السؤال إلى لطفي لا ليحرجه وإنما ليضع أمامه مفارقة لا يمكن تجاهلها:
— هو أيام النبي عليه الصلاة والسلام يا لطفي كان فيه دورات مياه عشان يدخلوها برجليهم اليمين؟
كان سؤالًا صادمًا في بساطته لكنه في الوقت نفسه منطقي إلى حدٍّ محرج ؛ فقد نقل لينين الحديث، في لحظة واحدة، من مجرد عادة متوارثة إلى أصلها الأول: إذا كنا نستند إلى السُّنّة في دخول دورة المياه بالقدم اليمنى، فهل كانت هناك أصلًا دورات مياه بالمعنى الذي نعرفه اليوم في زمن النبي !!؟
هنا لم تعد المسألة مسألة رجل يمين أو رجل شمال !!


بل أصبحت فجأة سؤالًا عن كيف تتحول العادة إلى حقيقة وكيف ننسب إلى الماضي أحيانًا تفاصيل لم نتوقف طويلًا لنسأل عن أصلها بل ونقدسها !!
هنا شعر لطفي أنه وقع في مأزق حقيقي ؛ فقد بدأت الحكاية بنصيحة عابرة، ثم تحولت على يد لينين الرملي إلى سؤال لا يعرف كيف يخرج منه!
فقرر أن يحسم الأمر بالفعل لا بالكلام فشدّ مفرش المائدة من تحت الأطباق والأكواب وقفز به إلى الفسقية الشهيرة في حديقة «فايف بيلز»!
الدهشة علي كل الوجوه !! بينما بجدية، أخذ لطفي يتوضأ من ماء الفسقية! ثم خرج وبسط مفرش المائدة على الأرض ووقف يصلي !! 
كانت لحظة عبثية بكل معنى الكلمة فقبل دقائق كنا في جلسة هادئة نتحدث ثم أصبحنا فجأة أمام مشهد لا يمكن أن يكتبه حتى أكثر كتاب الكوميديا جنونًا: محمد لطفي في حديقة المطعم، يتوضأ في الفسقية ثم يفرد مفرش المائدة ويصلي!
أما الاستاذ لينين فقد كان المشهد بالنسبة إليه مادةً لا تنضب للدهشة والضحك.
وأنا ومروان وزغلول  فلم نكن نعرف هل نضحك؟ أم نندهش؟ أم ننتظر ماذا سيفعل لطفي بعد أن ينتهي من صلاته؟
أما عمرو، فظل واقفًا يراقب ما يجري، وقد تحولت رحلته القصيرة إلى دورة المياه إلى واقعة كاملة الأركان وقرر المغادرة ؛ وهكذا، في أقل من دقائق انتقلت جلستنا من السؤال عن السُّنّة إلى الوضوء والصلاة في حديقة فايف بيلز! وكان واضحًا أن لطفي لم يعد يريد أن يترك للينين فرصةً أخرى للانتصار في هذا الحوار… فقد قرر أن يقدم الدليل عملي علما بانه لم ينزل الفسقية ( برجله اليمين ) !!

تم نسخ الرابط