لم يعد من الممكن قراءة التحولات في النظام الدولي من خلال الاقتصاد والجيوش والتحالفات السياسية وحدها، هناك عنصر جديد أصبح حاضرا في كل حسابات القوة تقريبا، وهو القدرة على امتلاك التكنولوجيا وتطويرها والتحكم في بنيتها الأساسية، الهاتف الذي يحمله المواطن، والسيارة التي تتحرك على الطرق، والطائرة التي تعبر الأجواء، ومراكز البيانات التي تدير الخدمات، وحتى المنظومات العسكرية الحديثة، كلها أصبحت مرتبطة بسلسلة طويلة من التقنيات والبرمجيات والمكونات الدقيقة، ولذلك فإن الدول التي كانت تتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها ملفا اقتصاديا أو صناعيا أصبحت تنظر إليها باعتبارها قضية أمن قومي، لأن توقف إمدادات مكون واحد أو فقدان القدرة على الوصول إلى تقنية محددة يمكن أن يؤثر في قطاعات كاملة من الاقتصاد.
أشباه الموصلات تكشف حجم هذا التحول بصورة واضحة، الرقاقة الإلكترونية ليست منتجا نهائيا يراه المستهلك، لكنها موجودة تقريبا في كل شيء حوله، من الأجهزة المنزلية إلى السيارات والطائرات ومعدات الاتصالات والمعدات الطبية، ومع التوسع الكبير في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، أصبحت الحاجة إلى الرقائق الأكثر تقدما أكبر بكثير، لأن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة تعتمد على قدرات حوسبة ضخمة، لذلك تحولت صناعة كانت تبدو متخصصة إلى واحدة من أكثر الصناعات حساسية في الاقتصاد العالمي، الدولة التي تستطيع تأمين احتياجاتها من هذه الصناعة تملك هامش حركة أكبر، بينما الدولة التي تعتمد بصورة كبيرة على الخارج تصبح أكثر تعرضا لتقلبات الأسواق والقيود التجارية والأزمات السياسية.
هذا يفسر جانبا مهما من التنافس الحالي بين الولايات المتحدة والصين، القضية لا تتعلق فقط بحجم التجارة أو المنافسة على الأسواق، وإنما بمن يمتلك الأدوات التي ستحدد شكل الاقتصاد خلال السنوات المقبلة، الولايات المتحدة لديها شركات ومراكز بحثية متقدمة في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة والبرمجيات، بينما تعمل الصين على توسيع قدراتها المحلية وتقليل اعتمادها على التقنيات الأجنبية، ومع اتساع هذا التنافس، بدأت التكنولوجيا نفسها تدخل في حسابات العلاقات الدولية، وأصبحت القرارات المتعلقة بالتصدير والاستثمار وسلاسل الإمداد تحمل أبعادا سياسية تتجاوز الحسابات التجارية التقليدية.
النتيجة أن شكل العولمة الاقتصادية يتغير، خلال العقود الماضية كان المعيار الأساسي أمام الشركات هو الوصول إلى العمالة والأسواق وتخفيض تكلفة الإنتاج، أما الآن فقد أصبحت اعتبارات أخرى حاضرة بقوة، مثل أمن سلاسل الإمداد، واستقرار البيئة السياسية، وإمكانية استمرار الحصول على المكونات الحيوية في أوقات الأزمات وهذا يعني أن العالم لن يعود بالضرورة إلى نموذج الانفصال الكامل بين الاقتصادات، لكنه يتجه إلى إعادة توزيع المخاطر وتنويع مصادر التكنولوجيا والإنتاج، الدول والشركات أصبحت أكثر حذرا في الاعتماد على مصدر واحد، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالقطاعات التي يمكن أن يؤدي توقفها إلى تعطيل صناعات وخدمات واسعة.
في هذا السياق، تتعامل أوروبا مع تحد خاص، فهي تمتلك قاعدة صناعية وعلمية مهمة، لكنها لا تريد أن تجد نفسها في المستقبل مضطرة للاختيار بين الاعتماد التكنولوجي على الولايات المتحدة أو الصين، لذلك أصبح بناء القدرات الأوروبية في مجالات مثل الحوسبة والبيانات والذكاء الاصطناعي والرقائق جزءا من النقاش حول الاستقلال الاستراتيجي، المسألة بالنسبة إلى أوروبا ليست الدخول في مواجهة مع أحد، وإنما ضمان امتلاك مساحة كافية لاتخاذ القرار وحماية قطاعاتها الحيوية،وهذا الاتجاه يعكس تغيرا أوسع في مفهوم السيادة؛ الدولة في القرن الحادي والعشرين لا تحتاج فقط إلى حماية حدودها ومقدراتها الطبيعية، وإنما تحتاج أيضا إلى حماية بنيتها الرقمية وقدرتها على الوصول إلى التكنولوجيا الأساسية.
ولا يمكن فهم أهمية تايوان في الحسابات الدولية بعيدا عن هذه المعادلة، وجود قدرات متقدمة في صناعة الرقائق جعل الجزيرة جزءا من حسابات اقتصادية واستراتيجية تتجاوز حجمها الجغرافي، وهذا مثال مهم على طبيعة القوة الجديدة؛ فقد تصبح صناعة محددة داخل دولة ما ذات تأثير يتجاوز الحدود، عندما يعتمد عليها عدد كبير من القطاعات في دول أخرى ولهذا فإن أي اضطراب في إنتاج الرقائق أو نقلها يمكن أن تكون له تداعيات على أسواق السيارات والإلكترونيات والاتصالات ومراكز البيانات، وهو ما يجعل استقرار سلاسل الإنتاج التكنولوجية قضية دولية بامتياز.
لكن الأهم أن هذه التحولات تفتح مساحة جديدة أمام الدول التي لم تكن في مقدمة صناعة التكنولوجيا، أفريقيا مثلا تدخل مرحلة مختلفة مع اتساع استخدام الإنترنت والخدمات الرقمية وزيادة الطلب على مراكز البيانات والحوسبة والخدمات المالية الرقمية، القارة لا تحتاج فقط إلى استيراد التكنولوجيا، وإنما تستطيع أن تستفيد من التحول الرقمي في تطوير قطاعاتها التقليدية مثل الصناعة والزراعة والنقل والخدمات الحكومية الفارق هنا سيكون في قدرة كل دولة على تحويل التكنولوجيا من منتج مستورد إلى أداة لزيادة الإنتاجية وخلق فرص العمل وبناء شركات محلية قادرة على المنافسة.
ومصر تمتلك فرصة مهمة في هذا التحول بسبب موقعها وشبكات الاتصالات والكابلات البحرية واتساع السوق ووجود قاعدة بشرية يمكن تطوير مهاراتها في المجالات التكنولوجية لكن التعامل مع هذه الفرصة يحتاج إلى ما هو أبعد من إنشاء بنية تحتية رقمية أو جذب استثمارات في مراكز البيانات، المطلوب هو بناء منظومة متكاملة تربط التعليم والتدريب بسوق العمل، وتشجع البحث والتطوير، وتدعم الشركات الناشئة، وتزيد مشاركة الشركات المصرية في الخدمات الرقمية وسلاسل القيمة التكنولوجية، القيمة الحقيقية لا تأتي من استضافة التكنولوجيا فقط، وإنما من القدرة على إنتاج المعرفة والخدمات المرتبطة بها وتطويرها وتصديرها.
كما أن موقع مصر في المنطقة يمنحها فرصة لتكون حلقة وصل بين أسواق مختلفة الجمع بين السوق المصرية والعلاقات العربية والأفريقية والموقع الجغرافي وشبكات الاتصالات يمكن أن يدعم دورا إقليميا في الخدمات الرقمية، إذا تم استكمال عناصر المنظومة من الكوادر والبنية الأساسية والأطر التنظيمية والاستثمارات، وفي ظل المنافسة الدولية على التكنولوجيا، فإن امتلاك الدولة لخيارات متعددة في الشراكات يصبح عامل قوة، لأنه يسمح لها بالحصول على الخبرات والاستثمارات من مصادر مختلفة دون أن تتحول إلى سوق تابع لتكنولوجيا طرف واحد.
المسألة في النهاية أكبر من الرقائق والذكاء الاصطناعي باعتبارهما صناعتين متقدمتين، نحن أمام تغيير في الطريقة التي تبنى بها القوة الدولية نفسها المعرفة أصبحت أصلا استراتيجيا، والبيانات أصبحت موردا اقتصاديا، والبنية الرقمية أصبحت جزءا من البنية الأساسية للدولة، والقدرة على تطوير التكنولوجيا أصبحت مرتبطة بالاستقلال الاقتصادي والأمن القومي، وهذا يفرض على الدول أن تتعامل مع الملف من منظور طويل المدى، لأن الفجوة التكنولوجية لا تتسع فقط بفارق الأجهزة، وإنما بفارق التعليم والبحث العلمي والقدرة الصناعية والاستثمار.
بالنسبة إلى مصر، لا ينبغي أن يكون السؤال هو كيف نواكب ما يحدث فقط، وإنما كيف نضمن أن يكون لنا موقع داخل هذا التحول، المنافسة بين القوى الكبرى ستستمر، والتكنولوجيا ستصبح أكثر حضورا في الاقتصاد والسياسة والأمن، لكن الدول التي تمتلك رؤية واضحة تستطيع تحويل هذا التنافس إلى فرصة، الاستثمار في الإنسان، وتطوير التعليم، ودعم الصناعة، وتوسيع الشراكات، وحماية البيانات، وبناء قدرات وطنية في التكنولوجيا، كلها ليست ملفات منفصلة؛ إنها مكونات أساسية لموقع الدولة في النظام الدولي الجديد، ومن هنا تصبح التكنولوجيا قضية سياسية بقدر ما هي قضية اقتصادية، لأن من يمتلك القدرة على إنتاج المعرفة واستخدامها بكفاءة سيكون أقدر على حماية مصالحه والتأثير في محيطه وصناعة مستقبله.