إن المتأمل في دوحة الرسالات الإلهية، والناظر في سنن التنزيل الحكيم، ليقف حائراً بين روعة التمهيد الإلهي ولطف التدبير الرباني للذات المحمدية الشريفة؛ إذ لم يأتِ الوحي بغتة ليقطع حبل الألفة بين الملأ الأعلى والأرض، بل سبقته إرهاصات وبوادر ومسيرة طويلة من السمت الحسن، والشمائل الفاضلة، والأخلاق العالية، والعصمة المحفوظة التي ألهمت العقول والقلوب قبل أن يتنزل الفرقان الحكيم. وحين نقارب هذه القضية العقدية والأصولية والفلسفية من مشكاة "حجية الفعل المتقدم واللاحق"، فإننا نغوص في لجج التأسيس المعرفي والدهشة الوجودية الكبرى التي تربط بين ما استقر قبل البعثة من أفعال وأحوال نبوية كريمة، وما تلاها من تشريعات وأحكام قطعية محكمة.
إن هذا الامتداد العضوي والروحي بين مرحلة الإرهاصات والتمهيد ومرحلة التمكين التشريعي يمثل المفتاح الأصيل لفهم فلسفة التشريع الإسلامي، وكيف أن النبوة لم تكن بدعاً من الرسل ولا طارئة على صفحات التاريخ البشري، بل كانت غايته الكبرى وسنام سننه الكونية، مستندة إلى التأسيس الوجودي للتشريع، والسرمدية الأخلاقية في مرآة البدايات الأولى؛ حيث تنفس الصبح على مهل؛ فكان أزهر الوجه نير البرهان.
وإذا استنطقنا طرائق البيان القرآني والسُنّي، وأساليب السبك البليغ في جزالتها، وشفافية الروح والوجدان في نجواها، متوسمين بعزم البيان وإشراق الحرف، ورقة الشجون وعذوبة النجوى التي تذوب فيها القلوب، وتتبع وثائق العمران والأثر، وإثبات ائتمانية العقل المسدد ونقده للعلائق المادية العابرة؛ فإننا ندرك يقيناً أن أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل البعثة وبعدها تشكل نسقاً متصلاً لا تنفصم عروته الوثقى.
وهنا يتجلى لنا الإرث الركين لأعلام الفكر الإسلامي وأساطين البيان والأصول؛ حيث نلتقي بالتحليل الدقيق لدلالات الألفاظ وسياقاتها الاستعمالية التي تؤسس لحجية الحال والقرينة الناطقة، ونتأمل في إشادة الصرح الأصولي والتعليل المقاصدي للأحكام وتطورها العضوي، ونستنطق بصيرة تفكيك مدارس الفكر الأصولي وحجية السنة بأقسامها ومراتبها التي تستنير بها الظلمات، ونعرج على الإشراقات العميقة والمقاربة العرفانية والفيضية للسرمدية المحمدية التي تتجاوز طين العوالق، لنختم بروح الفكر المقاصدي الذي وضع الأسس الكبرى لعلل الشريعة ومقاصدها العامة في حفظ الكليات وتشييد أركان العمران.
إن الإرهاصات التي سبقت البعثة النبوية الشريفة، من صدق في المقال، وأمانة في المعاملة، وتأمل عميق في ملكوت السماوات والأرض بغار حراء، لم تكن مجرد أفعال عادية تصدر عن بشر مصطفى بالصدفة العابرة، بل كانت "تشريعات ضمنية" ومقدمات وجودية وتكوينية تسبق نزول التكليف وتؤسس للأصول المعرفية العميقة للذات المحمدية الطاهرة التي ما مستها نجاسة الجاهلية قط، معتمدة على استصحاب حال العدالة قبل الشرع وبراءة الذمة الأصلية والتلازم المعنوي بين السيرة والسنة.
وهنا يتبين بوضوح أن أحكام الشريعة لا تنفك عن علل الحكمة الإلهية؛ فكانت أخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل البعثة تمثيلاً عملياً ومخزوناً أخلاقياً ومعيارياً سيلجأ إليه العقل المسلم لاحقاً لتفسير النصوص، وتوجيه الدلالات نحو مقاصدها العليا.
فالأفعال المتقدمة على البعثة وإن لم تكن تشريعاً ملزماً بذاتها بحسب اصطلاح الأصوليين قبل ورود الشرع، إلا أنها تمثل "القرينة الوجودية الكبرى" على صلاحية المحل لتلقي الوحي، وتشكّل رصيداً بيانياً وواقعياً يفسر حكمة التدريج التشريعي لاحقاً حين تنزلت الآيات بين الناس تدريجاً حكيماً يطهر النفوس ويزكي السرائر، متجاوزة حدود الإقرار الضمني إلى حجية الإقرار الكلي في المنظومة التشريعية.
وحين ننتقل لدراسة حجية السنة وأدلة الأحكام في ميزان الأصول، نجد أن الفعل النبوي اللاحق للبعثة قد تنوع مراتب ودرجات؛ فمنه ما هو تشريعي عام ملزم، ومنه ما هو جبلي بشري، ومنه ما هو خاص بالخصائص النبوية التي انفرد بها دون سواه.
وهنا يبرز الإشكال الأصولي الدقيق الذي يحتاج إلى بصيرة نافذة تتأتى عبر تتبع المقاصد الكلية للشارع الحكيم، وتفكيك الانزياح الدلالي في مرآة الوحي؛ فالفعل المتقدم كان إرهاصاً تمهيدياً للتشريع العظيم، بينما الفعل اللاحق هو التنزيل التنفيذي للتشريع ذاته على أرض الواقع المعيش.
وقد روعي في التطور التشريعي وتدرج الأحكام استصحاب تلك البصمات والأخلاق المتقدمة التي استقرت في نفوس القوم عن نبيهم الصادق الأمين، حتى صار توثيقهم لأفعاله السابقة مدخلاً لقبول أحكامه اللاحقة بلا تردد ولا ارتياب، وكأن القلوب كانت مستعدة بالفطرة لتلقي النور المبين.
وإذا أمعنا النظر في النمذجة الدلالية واللغوية؛ فإننا ندرك بصيرَة أن دلالة الحال أقوى في كثير من الأحيان من دلالة المقال، وتلك لعمري قاعدة بيانية ولسانية لا يستهان بها في فهم نصوص الوحي ومقاصده؛ فحال النبي - صلى الله عليه وسلم - طوال أربعين سنة من الطهر والعفاف والصدق كانت هي "القرينة السياقية الكبرى" التي تصدّت لأي تشكيك محتمل عندما أعلن نبوته التي ملأت الآفاق؛ إذ لم يكن المجتمع العربي أمام شخص نكرة يأتيه الوحي فجأة بلا سابقة معرفية، بل أمام صفوة مجتباة شهد لها القاصي والداني بالنزاهة ورجاحة العقل والبعد عن سفاسف الأمور.
وهنا يتكامل طرح الإشراقات العرفانية والفيضية في تفسير سر العصمة التكوينية المتقدمة، وكيف أن الفيض الإلهي كان يتسرب ويتدفق على القلب الشريف شيئاً فشيئاً عبر التمهيد التكويني والوجودي للبعثة المحمدية، حتى استوى القالب البشري لتحمل ثقل التنزيل الأعظم الذي لو أنزل على جبل لتراكم خشوعاً؛ فالأفعال المتقدمة هي الترجمة العملية للفيض الإلهي الباطن قبل أن ينعقد لواء التشريع الظاهر على أرض الواقع.
ولعلنا نتأمل الأمثلة التطبيقية الغزيرة التي تجسد هذا الاتصال العضوي الفريد؛ كالمشاركة الكريمة في حلف الفضول دفاعاً عن المظلومين ورد الحقوق لأصحابها قبل البعثة، وهو فعل متقدم تم إبرامه بوازع المروءة والعدل الإنساني الأصيل، فلما جاء الإسلام أقره بحجية صريحة وقرر أن أي تحالف يقوم على نصرة الحق ورفع الظلم و هو جزء لا يتجزأ من مقاصد الشريعة الإسلامية الكبرى؛ تذكاراً لقوله - صلى الله عليه وسلم - مفخراً ومأصراً لاستمرار حجيته: (لقد شهدتُ في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دُعيت به في الإسلام لأجبتُ).
وكذا الأمانة المطلقة وحفظ الودائع حتى مع الخصوم والمشركين الذين أعلنوها حرباً شعواء على دعوته، لدرجة أنه ترك علياً - رضي الله عنه - وراءه ليلة الهجرة لرد تلك الودائع إلى أصحابها غير مبالٍ بعداوتهم؛ مما جعل الحجية الأخلاقية للفعل المتقدم حاكمة وملزمة لتأسيس مقصد حفظ الأموال والذمم والعهود بين البشر أجمعين، فضلاً عن التحنث والتأمل في غار حراء الذي ترقى من إرهاص شخصي فريد إلى فريضة الاعتكاف والخلوة الروحية والتفكر في خلق السماوات والأرض، ناهيك عن الصدق المطلق في المعاملات التجارية وإدارة الأموال بيمين صادقة ووجه أبلج، وهو ما أصل لقواعد المعاملات المالية النقية من الشوائب والربا والغش.
وحين نجمع أطراف هذه الشذرات المعرفية والفيضية؛ فإننا نصل إلى نتيجة راسخة مفادها: أن "حجية الفعل المتقدم واللاحق" ليست مجرد مسألة أصولية جافة تتناولها المتون الدارسة، بل هي الفلسفة الكبرى والحل الجذري العميْق الذي يقدمه التراث الإسلامي الأصيل لأزمات التشريع المعاصر والانفصام الموحش الحاصل بين الأخلاق والقانون في الفكر الإنساني الحديث، لاسيما في عصر التقنية والآلية الذي تخبط في تيهه المادي والمعنوي وأهلك الحرث والنسل وهو يحسب أنه يحسن صنعاً. إن الانقطاع الموهوم بين مرحلة الإرهاصات ومرحلة التشريع يزول تماماً، وينهدم من أساسه عندما ندرك أن البناء الأخلاقي والنفسي والتشريعي الضمني الذي سبق البعثة كان هو التربة الخصبة والثرية التي غرست فيها بذور الشريعة الغراء، لتعود بالإنسان المعاصر إلى جذور المعنى الأصيل وسنن الوجود الحق، وليبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.