عاجل

خطيب الجامع الأزهر: الإسلام دعوة للعبادة والقيادة وأمته لا ترضى بالدون

الدكتور الهواري
الدكتور الهواري

ألقى خطبة الجمعة اليوم بالجامع الأزهر، الدكتور محمود الهواري، الأمين المساعد لمجمع البحوث الإسلامية، تحت عنوان "أمة الأكابر"، مؤكداً أن الإسلام الذي ندين به لا يعني استسلاماً للظروف، ولا يرضى بالدونية أو التواكل والكسل، بل الإسلام في جوهره دعوة للعبادة والعمارة والقيادة والسيادة، وهذه الرباعية لا يقوم بها إلا رجال لهم همة عالية كالجبال، فلا يناسب مقاصد الإسلام أشباه الرجال ولا أنصاف الرجال.

واستشهد الهواري بقول النبي ﷺ: «إنَّ اللهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الأُمُورِ وَأَشْرَافَهَا، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا»، مبيناً أن معالي الأمور هي كل همة كبيرة تنشد التمام، وكل عمل يبتغي الإتقان، وكل خلق يتسامى بالمرء عن الضغائن والصغائر والتوافه، وهي العقول التي تفكر في كشف غوامض الكون لمصلحة البشرية، والأنفس التي تتألم لآلام الآخرين فتبني وتسعف، والأيدي التي تزرع وتصنع وتكتب وتبتكر، والأخلاق التي تعفو عند القدرة، وتعدل في ساعات الغضب، بينما السفساف هو الرديء من كل شيء، والهمم التافهة، والأفكار الصغيرة.

وقال الأمين المساعد لمجمع البحوث الإسلامية إن الأكابر في فلسفة القرآن هم "أكابر الهمة، وأكابر الخلق، وأكابر العمل"، الذين لا تقف همتهم عند حدود أقدامهم، ولا ينتهي نشاطهم بإشباع رغباتهم وملذاتهم، بل ينظر أحدهم إلى العالم من حوله فلا يطيق أن يرى جحراً من الجهل إلا ويسعى لينوره، ولا بؤرة من الفقر إلا ويحاول أن يسدها، ولا ثغراً من ثغور الأمة إلا ويقف لحمايته ببدنه وفكره.

وأوضح الهواري أن من خصال هؤلاء الأكابر أنهم ينزهون نفوسهم عن صغائر الخصومات، فإذا اختلفوا لم يتجاوزوا الأدب، وإذا خاصموا صحبوا الشرف، وإذا قدروا عفوا وصفحوا، وتجدهم في العمل أهل الإتقان، فهم أهل "الصناعة المحكمة" و"الفكر العميق" و"البناء المتين"، مؤكداً أن تاريخ الأمة حافل بنماذج الأكابر الذين تجلت في مواقفهم صلابة الإيمان وعلو الهمة، وفي مقدمتهم الصديق أبو بكر حين قال: «أينقص الدين وأنا حي؟!»، وعثمان بن عفان الذي أنفق على جيش العسرة، ومصعب بن عمير الذي فتح المدينة بالخلق الرفيع، وعمر بن عبد العزيز الذي قال: «كيف بالنوم بين هذين؟!» حين سئل عن الاستراحة.

وحذر الأمين المساعد لمجمع البحوث الإسلامية من واقع استبدل فيه كثير من المسلمين بمعالي الأمور سفسافها، وبالهمم العالية همماً ساقطة، وبالجدية الصارمة عبثاً مقيتاً، حيث أصبح الاهتمام بالصورة مقدمًا على الجوهر والحقيقة، وانقلبت الموازين حتى صار "التافهون" في مجتمعاتنا نجومًا يشار إليهم بالبنان، يتابعهم الملايين، وتبذل لهم الأموال، وتفسح لهم المجالس، بينما "العالم" و"المفكر" و"المخترع" و"المعني ببناء الأمة" يعيش على هامش الحياة.

كما حذر من شيوع الأخلاق الهابطة والدناءة في الخصومة، وتحول الخصومة إلى معركة لتصفية الحسابات بالكذب والبهتان، وتتبع العورات، وضعف الإنتاج والرضا بالتبعية، وتسطيح التدين وتحويله إلى شكل وصورة مع إغفال أصول الدين العظيمة، مؤكداً أن هذا التسطيح هو أشد أنواع السفساف خطراً، لأنه يلبس العجز والضآلة ثوب التقوى والورع.

وأكد الهواري أن الرضا بالسفساف ليس مجرد خطيئة فردية، بل هو مرض حضاري قاتل، فالأمة التي يكثر فيها أهل السفساف وتقل فيها نسبة الأكابر هي أمة تكتب شهادة وفاتها بيدها، وقال إن الطريق إلى العودة إلى "أمة الأكابر" ليس غامضاً ولا يحتاج إلى معجزات، بل إلى إرادة صادقة وخطوات عملية، في مقدمتها إعادة تعريف النجاح والقيمة في المجتمع، وتربية النفس والأبناء على «صناعة الهمة»، وتعويدهم على تحمل المسؤولية، وتعليمهم سير العظماء.

ووجه الهواري في ختام الخطبة نداء إلى الشباب، قائلاً: "إنكم لستم نافلة في الوجود، ولستم عالة على الخلق، وإن الأمة تعيش اليوم مخاضاً عسيراً، وهي بأشد الحاجة إلى عقولكم النيرة، وسواعدكم القوية، وهممكم الشامخة"، داعياً إياهم إلى الابتعاد عن مستنقع الشهوات الهابطة، والإقبال على العلم والبحث والابتكار، وأخذ الكتاب بقوة، مؤكداً أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، ولا حضارة تبنى بالأماني الفارغة، بل بالعرق والسهر والإخلاص لله رب العالمين.

تم نسخ الرابط