فما زال العالم الإسلامي في مشارق الأرض ومغاربها يتنسم عبير نفحات شهر مولده صلى الله عليه وسلم، حيث تتجدد في القلوب معاني المحبة، وتستضيء بسيرة خير من وطئت قدمه الثرى، فتتجه الأرواح إلى سيرة لم تزل نورًا يهدي به قلوب الحيارى، ومنهجًا يُحتذى، ونجعل من هذه المناسبة فرصة كي ننهل من هديه صلى الله عليه وسلم، ونقتفي أثره في بناء الإنسان الذي يعرف ربه، ويحفظ وطنه، ويصون كرامته، وينعم بالحرية، ويحنو على الخلق كافة.
فالنبى صلى الله عليه وسلم أسوة لكل متأسٍ، وقدوة لكل مقتدٍ، كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
فكان صلى الله عليه وسلم أسوة في عبادته، وأخلاقه، ورحمته، وأسرته، ومعاملاته، وقيادته، وصبره في الشدائد، وحكمته في بناء المجتمع.
فالأسوة هي القدوة التي يُقتدى بها، والطريق الذي يسلكه الإنسان متأسِّيًا بمن سبقه. والمتدبر في سيرته صلى الله عليه وسلم، في أقواله وأفعاله وجميع أحواله، يجده في حفر الخندق يضرب بفأسه يدًا بيد مع أصحابه، وفي حمل التراب كتفًا بكتف معهم، وشاركهم في أناشيدهم، كما شاركهم في تحمل آلام الجوع والسهر.
بل كان هو القائد الملهم، الحازم الرحيم، الذي يلجأ إليه أصحابه عندما يعجزون عن إزالة معوقات اعترضت طريقهم.
فالإنسان مهما بحث عن مثل أعلى في ناحية من نواحي الحياة، فإنه يجد كل ذلك في شخصية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بجلاء ووضوح، ولذا جعله الله قدوة للإنسانية كلها.
ففي جانب العبودية، هو أكمل الناس عبودية لله تعالى، وأشدهم خشوعًا له وإقبالًا عليه، فقد امتلأ قلبه تعظيمًا لربه، ومحبةً له، ورجاءً وخوفًا منه، حتى كان قيامه بين يدي ربه صورة حية لمعنى العبودية الخالصة، وكان لسانه لا يفتر عن ذكره تعالى والاستغفار والدعاء، كما أخبرنا صلى الله عليه وسلم: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة».
وقال صلى الله عليه وسلم: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت».
فكان أيضًا قدوة في أخلاقه ومعاملاته، وهذه هي الصورة العملية للإسلام حين يتحول من مبادئ تُتلى إلى سلوك يُرى، ومن تعاليم إلى رحمة تمس القلوب، وحين تتحول المعاملة إلى أسلوب يحفظ للإنسان قدره.
ويكفيه شهادة رب العالمين له بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.
ومن رحمته صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن يطلب لنفسه انتقامًا. قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: «وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في شيء قط، إلا أن تُنتهك حرمة الله، فينتقم بها لله».
حتى عُرف بين قومه قبل البعثة بالصادق الأمين، وكان يقول صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثت لأتمم صالح الأخلاق».
وكان أيضًا قدوة في الأسرة وبناء البيت الصالح، فكان بيته صلى الله عليه وسلم مدرسة متكاملة في الرحمة والمودة وحسن العشرة، فقد قدم للأمة نموذجًا عمليًا للأسرة التي تقوم على السكينة والاحترام والتعاون.
ولم تكن عظمة رسالته وحجم مسؤولياته تحول بينه وبين أن يكون قريبًا من أهله، حسن الصحبة لهم، راعيًا لمشاعرهم، متمثلًا قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».
وكان قدوة في المسؤولية والقيادة، فهو نموذج فريد في القيادة الراشدة، فلم تكن القيادة عنده صلى الله عليه وسلم تشريفًا أو استعلاءً، وإنما كانت أمانة ومسؤولية وخدمة للناس، يقودهم بالعدل، ويرعى مصالحهم، ويجمع بين قوة الحق ورحمة القلب، متمثلًا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾.
فكان صلى الله عليه وسلم يعدل بين الناس، ولا يحابي أحدًا، قريبًا أو بعيدًا، ويقرر أن ميزان الحق لا يتغير بتغير الأشخاص والمكانة، فقال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».
وكان قدوة في مواجهة الأزمات والمحن، نموذجًا راسخًا للصبر والثبات وحسن التوكل على الله تعالى، فلم تكن شدة المحن لتزعزع يقينه، ولا تراكم الصعاب ليصرفه عن غايته، بل كان كلما اشتد البلاء ازداد ثباتًا، وكلما ضاقت السبل اتسع في قلبه باب الرجاء، كما وضح يقينه في هجرته من مكة إلى المدينة، حين قال لصاحبه: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.
مع خالص تحياتي.