لو أردنا أن نبحث عن أعظم نعمةٍ تغيّر حياة الإنسان، فلن نجد أعظم من نعمة العلم؛ فالمال قد يذهب، والقوة قد تضعف، والمكانة قد تتغير، أما العلم فإنه يترك في الإنسان أثرًا لا يزول، لأنه لا يمنحه شيئًا يملكه فحسب، بل يصنع منه إنسانًا مختلفًا.
بالعلم يعرف الإنسان ربه، ويفهم رسالته في الحياة، ويميز الحق من الباطل، ويكتشف أسرار الكون، ويعالج المرض، ويبني المدن، ويطور وسائل الحياة، ويصنع المستقبل. ولذلك لم يكن عجيبًا أن تكون أول كلمة نزلت من القرآن الكريم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، وكأن الإسلام يضع منذ اللحظة الأولى أساس نهضة الإنسان: اقرأ، وتعلم، واعرف، ولكن اجعل علمك مرتبطًا بربك وغايتك وأخلاقك.
وقد عظّم القرآن شأن العلم وأهله، فقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾،
وقال سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾.
ولم يكن النبي ﷺ يكتفي بالدعوة إلى الإيمان، بل كان يربي أمةً تطلب العلم وتعرف فضله، فقال ﷺ: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهل الله له به طريقًا إلى الجنة».
والعلم الذي يحتاج إليه الإنسان ليس لونًا واحدًا؛ فهناك العلم الشرعي الذي يهدي الإنسان إلى معرفة الله تعالى، وفهم القرآن والسنة، ومعرفة الأحكام، وتهذيب النفس، وإقامة الأخلاق والعبادات والمعاملات على بصيرة. وهذا العلم هو الذي يمنح الإنسان البوصلة التي يعرف بها أين يضع معرفته وكيف يستخدمها.
وهناك العلم التجريبي والتطبيقي، من الطب والهندسة والفيزياء والكيمياء والزراعة والتكنولوجيا وغيرها، وهو من أعظم أسباب قوة المجتمعات وتقدمها، ومن الوسائل التي تحقق مصالح الناس وتعين على عمارة الأرض التي استخلف الله الإنسان فيها.
والإسلام لا يضع العلم الشرعي والعلم التجريبي في خصومة؛ بل يحتاج الإنسان إليهما معًا. فالعلم الشرعي يضبط الغاية، والعلم التجريبي يطور الوسيلة؛ الأول يبني الإنسان من الداخل، والثاني يساعده على بناء العالم من حوله.
وقد فتح القرآن أبواب التفكر والنظر في الكون، فقال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾. فدعوة القرآن إلى التأمل في الإنسان والكون والحياة هي دعوة إلى إعمال العقل واكتشاف سنن الله في خلقه.
لكن العلم وحده لا يكفي إذا انفصل عن الأخلاق؛ فقد يستطيع الإنسان بعلمه أن يصنع ما ينفع، وقد يستطيع به أيضًا أن يصنع ما يضر. ولذلك فإن أعظم ما نحتاج إليه هو العلم الذي تحرسه الأخلاق، والعقل الذي تهديه القيم، والمعرفة التي يستخدمها الإنسان في الخير لا في الإفساد.
ومع اقتراب بداية عام دراسي جديد، علينا ألا ننظر إلى المدارس والجامعات باعتبارها أماكن للحصول على الشهادات فقط، بل باعتبارها مصانع حقيقية لبناء الإنسان وصناعة المستقبل. نريد أبناءنا أن يحبوا العلم، وأن يتعلموا كيف يسألون ويبحثون ويفكرون، لا أن يكون هدفهم مجرد النجاح في امتحان ثم نسيان ما تعلموه.
إن أعظم استثمار يمكن أن تقوم به أمة هو الاستثمار في عقول أبنائها؛ لأن المدرسة التي تعلم، والمعلم الذي يخلص، والأسرة التي تشجع، والطالب الذي يجتهد، إنما يشاركون جميعًا في صناعة مستقبل وطن بأكمله.
فلنبدأ عامنا الدراسي الجديد برسالة واضحة لأبنائنا: اطلبوا العلم فإن العلم قوة وعبادة ايضا إذا صلحت النية، والعلم أمانة، فأجمل العلم ما قاد صاحبه إلى رضوان الله وأنفعه ما نفع به البلاد والعباد.