في المفردات، حرف واحد فقط يفصل بين «النقد» و«الحقد»، أما في المضمون، فهي شعرة دقيقة لا يراها إلا من يقرأ ما وراء الكلمات ويفهم دوافع أصحابها.
كلاهما قد يخرج من تحت مظلة «إبداء الرأي»، دون أن يكون هذا الرأي بالضرورة مستندًا إلى دليل ملموس أو علم مدروس؛ فالرأي شيء، والقرار شيء آخر، ولكل إنسان الحق في أن يبدي رأيه، لكن لا أحد تقريبًا يعترف بأنه حاقد، حتى وإن كان حقده ظاهرًا أكثر من رأيه.
والنقد أيضًا حق مشروع، إلا أن هناك من يصنفه فورًا على أنه حقد، خصوصًا إذا انتقدت -من باب الرأي- شيئًا يراه آخرون ناجحًا، ولم تحقق أنت نجاحًا مماثلًا، عندها تصبح حاقدًا «بالثلاثة»!
والمفارقة أن هؤلاء ليس لهم دور في صناعة ذلك النجاح المزعوم سوى أنهم يرونه نجاحًا، كما يرون أن النجاح كمال لا يجوز أن يشوبه نقص أو عوار، ومن أخبرهم بذلك؟
الأمر قد يتجاوز مجرد الاختلاف في الرأي، فيصل أحيانًا إلى كيل الاتهامات والسب والتنمر على الشخص نفسه، وهو ما أصبحنا نراه كثيرًا على صفحات التواصل الاجتماعي، وكأن الاختلاف في الرأي أصبح مبررًا لإهدار حق الآخر في الاحترام.
أما صاحب النجاح المزعوم، فإذا أراد أن يثبت أنه بالفعل صاحب نجاح، فعليه أن يرتقي إلى مستوى الاختلاف، وأن يرد على من انتقده بالحجة لا بالاتهام، وبالمناقشة لا بالتخوين. وهنا يبدأ الحديث عن أنواع النقد التي نعرفها جميعًا: النقد البناء والنقد الهدام، حتى إن البعض أضاف إليهما -من باب الفلسفة- «النقد الأسود».
وتشتعل المعركة إذن بين صاحب الرأي ومن يوافقونه، وصاحب النجاح ومن يصفقون له، بينما تضيع القضية الأساسية وسط الضجيج: هل كان هذا نقدًا فعلًا أم حقدًا؟ وهل كان ما نختلف عليه نجاحًا حقيقيًا أم مجرد نجاح مصنوع من أرقام المشاهدة ووهج التريند؟
فالنجاح المزعوم هو كل نجاح جرى قياسه بمدى الانتشار اللحظي وتصدر التريند في عالم أصبحت فيه التريندات معيارًا لكل شيء تقريبًا.
علمونا قديمًا، وما زالوا يكررون، أن النجاح سهل، لكن الحفاظ عليه هو الصعب، وربما كان الأجدر أن يقولوا: إن النجاح نفسه صعب؛ لأنه لا نجاح حقيقيًا من دون استمرارية.
فما قيمة أن تحقق نجاحًا لمرة واحدة ثم ينتهي؟ النجاح له معايير كثيرة، تبدأ بالدوافع، وتمر بالنتائج والأهداف، وقدرة الإنسان على الاستمرار، وفوق ذلك كله: ماذا أضاف هذا النجاح إلى المجتمع؟
فالمجتمع -في كل مجالاته- لا يرفع من شأنه إلا ما يضيف إليه، ولا يحقق قيمة حقيقية إلا ما يرتقي بالإنسان.
الفنون، مثلًا، خلقت في جوهرها من أجل السمو بالروح، والارتقاء بالمشاعر، ومنح الإنسان مساحة من الراحة والتأمل، لا لتعذيب النفس وإثارة غرائزها تحت أي مسمى. فإذا حقق الفن هذا الهدف فهو ناجح، حتى وإن شابت بعض مكوناته أخطاء يمكن نقدها وتصحيحها، أما إذا حقق عكس ذلك، ثم اختبأ خلف شعارات مثل «الوعي» و«نقل الواقع» وما شابه، فنجاحه يصبح محل سؤال، كما يصبح وعي من يراه ناجحًا محل سؤال أيضًا.
نحن في حاجة إلى أن نعيد تعريف النجاح قبل أن نختلف حوله، وأن نعيد تعريف النقد قبل أن نتهم أصحابه بالحقد
فالناقد ليس حاقدًا بالضرورة، كما أن صاحب النجاح ليس ناجحًا لمجرد أن الناس تتحدث عنه.
النجاح الحقيقي ليس أن يراك الناس، وإنما أن يجدوا في ما تقدمه قيمة تستحق أن تبقى بعد أن ينتهي التصفيق وينطفئ التريند.
ولو عرفنا معنى النجاح بحق، لأصبح النجاح هدفًا نستحقه، ولو وعينا أن لكل إنسان الحق في إبداء رأيه ما دام لا يعتدي على حرية غيره أو حقوقه الشخصية، لارتقينا باختلافنا بدلًا من أن نتناحر بسببه.
وعندها فقط سنعرف الفرق بين الناقد والحاقد.