منذ أن تولد البنت، يبدأ المجتمع في رسم حدود لحياتها:
لا تذهبي وحدكِ.
لا تتحدثي كثيرًا.
لا تثقي بأحد.
لا ترفعي صوتكِ.
لا تفعلي ما قد يجعل الناس يتحدثون عنكِ.
وانتبهي دائمًا… ماذا سيقول الناس؟
نقول هذه الكلمات بدافع الحب، ونكررها بحجة الحماية، لكننا نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا: هل نحن نحمي بناتنا فعلًا، أم نزرع داخلهن خوفًا سيكبر معهن؟
الخوف قد يحمي الإنسان من بعض المخاطر، لكن عندما يصبح الخوف هو أساس التربية، يتحول من وسيلة للحماية إلى قيد. فتكبر البنت وهي تفكر كثيرًا قبل أن تتكلم، وتتردد قبل أن تخوض تجربة جديدة، وتخشى الخطأ أكثر مما تخشى أن تعيش حياة لا تشبهها. وفي كثير من الأحيان، لا يكون السؤال الذي يدور في رأسها: «هل هذا القرار صحيح بالنسبة لي؟»، وإنما: «ماذا سيقول الناس عني؟».
وهنا تكمن المشكلة.
نحن لا نحتاج إلى أن نربي بناتنا على الجرأة بلا وعي، ولا أن نطلب منهن تجاهل المخاطر أو كسر كل الحدود، نحن نحتاج إلى شيء أكثر أهمية: أن نربي لديهن الوعي والثقة والقدرة على اتخاذ القرار. أن نعلمها أن تقول «لا» عندما لا تكون مرتاحة، وأن تتحدث عندما تتعرض لموقف يزعجها، وأن تطلب المساعدة دون أن تشعر بالعار، وأن تعرف أن الخطأ لا يجعلها إنسانة سيئة، وأن الفشل ليس نهاية الطريق.
نريدها أن تكون حذرة، نعم، لكن لا نريدها خائفة. نريدها أن تعرف أن العالم ليس آمنًا دائمًا، لكننا نريدها أيضًا أن تعرف أنها ليست عاجزة أمامه.
والأهم من ذلك كله، أن نتوقف عن استخدام «كلام الناس» كأداة لتربية بناتنا. فـ«الناس» لن يعيشوا حياتها بدلًا منها، لن يتحملوا نتائج قراراتها، ولن يحملوا عنها أحلامها، ولن يكونوا معها في لحظات ضعفها. فلماذا نعطي رأيهم كل هذه السلطة على حياة فتاة لم تبدأ حتى في اكتشاف نفسها؟
ربما آن الأوان أن نغيّر بعض الجمل التي نقولها لبناتنا:
بدلًا من: «خلي بالك الناس هتقول إيه»، نقول: «خلي بالك من نفسك».
وبدلًا من: «إوعي تغلطي»، نقول: «ولو غلطتي، اتعلمي وقومي».
وبدلًا من أن نربيها على أن تخشى العالم، نعلمها كيف تفهمه، وكيف تضع حدودها، وكيف تحمي نفسها، وكيف تثق بصوتها.
لأن التربية الحقيقية ليست أن نصنع فتاة لا تخطئ. التربية الحقيقية أن نصنع إنسانة تعرف كيف تتصرف عندما تخطئ، وكيف تنهض عندما تسقط، وكيف تحمي نفسها عندما تواجه الخطر، وكيف تختار حياتها دون أن تكون أسيرة لخوف دائم من الآخرين.
نحن لن نستطيع أن نحمي بناتنا من كل شيء، لكننا نستطيع أن نعطيهن شيئًا يبقى معهن طوال العمر: وعيًا يحميهن، وثقة تسندهن، وصوتًا لا يخشين استخدامه.
فربما السؤال الذي يجب أن نسأله لأنفسنا ليس: «كيف نحمي بناتنا من العالم؟»، بل: «كيف نربي بناتنا بحيث يكنّ قادرات على مواجهة العالم؟».