ليس كل مجرم على الشاشة مجرمًا في الحقيقة أحيانًا يكون العكس تمامًا، فكلما نجح الفنان في إقناعك بأنه قادر على ارتكاب الجريمة، كان ذلك دليلًا على براعة التمثيل، وقدرته على التخلي عن صورته الحقيقية والدخول إلى مناطق نفسية شديدة التعقيد.
وهنا يأتي محمد فراج، الذي استطاع خلال السنوات الأخيرة أن يثبت أنه ليس مجرد ممثل يجيد تقديم الأدوار التقليدية، وإنما فنان يمتلك قدرة خاصة على تجسيد الشخصيات الرمادية والمضطربة، وصولًا إلى الشخصيات التي تحمل داخلها قدرًا من الشر أو العنف أو الجريمة.
البداية لم تكن مرتبطة بصورة نمطية للمجرم، بل جاءت من شخصيات بدت في أوقات كثيرة قريبة من الجمهور، وهو ما جعل انتقال فراج إلى الشخصيات الأكثر قسوة ودهاءً مفاجئًا ومثيرًا للاهتمام.
فراج لا يعتمد في تقديم الشخصية الإجرامية على الصوت العالي أو ملامح الشر التقليدية، لكنه يبحث عن التفاصيل الصغيرة: نظرة العين، طريقة الكلام، الهدوء قبل الانفجار، والحالة النفسية التي تجعل المشاهد يتساءل: هل هذا الشخص شرير فعلًا؟ أم أن الظروف هي التي دفعته إلى هذا الطريق؟
قوة محمد فراج في هذه النوعية من الأدوار لا تأتي من فكرة الجريمة نفسها، وإنما من قدرته على جعل الشخصية قابلة للتصديق.
قد تكره الشخصية التي يقدمها، وقد تتعاطف معها في لحظة أخرى، وربما تجد نفسك تبحث عن مبررات لأفعالها رغم رفضك لها وهذه تحديدًا واحدة من أصعب المناطق التي يمكن أن يصل إليها الممثل.
فالممثل الناجح لا يقدم الشر باعتباره شرًا فقط، وإنما يحاول أن يكشف دوافعه الإنسانية والنفسية، حتى يصبح المشاهد أمام شخصية حقيقية وليست مجرد "شرير" مكتوب على الورق.
على مدار مشواره، كان التنوع واحدًا من أهم أسلحة محمد فراج، فلم يحصر نفسه في قالب واحد، ولم يسمح لشخصية ناجحة أن تتحول إلى قيد يمنعه من التجربة.
وهذا ما يفسر قدرته على الانتقال بين الشخصيات المختلفة، من الإنسان البسيط إلى الشخصية المركبة، ومن الدراما الاجتماعية إلى أجواء الجريمة والإثارة والتشويق.
ومع كل تجربة جديدة، يبدو أن فراج يصر على إعادة اكتشاف نفسه كممثل، حتى لو كان الثمن أن يراه الجمهور في صورة لم يعتد عليها.
لماذا يصدق الجمهور فراج؟ الإجابة ببساطة هي أنه لا يلعب دور المجرم فقط، بل يعيش داخل تركيب الشخصية.
الجمهور أصبح أكثر وعيًا من أن يقتنع بمجرد شكل أو ملابس أو "إفيه" يوحي بالشر، لذلك أصبحت الشخصيات الإجرامية تحتاج إلى ممثل قادر على تقديم منطق داخلي لها.
وهنا تكمن لعبة محمد فراج، أن يجعلك تصدق أن هذا الرجل يمكن أن يفعل ما يفعله، وأن تتعامل مع الشخصية باعتبارها إنسانًا له ماضٍ ودوافع وخوف وطموح، وليس مجرد أداة لتحريك أحداث العمل.
في النهاية، لقب "مجرم تمثيل" لا يحمل اتهامًا لمحمد فراج، بل هو شهادة على قدرته كممثل عندما يدخل إلى منطقة الشر والجريمة.
فالمجرم الحقيقي خلف الكاميرا جريمة، أما المجرم على الشاشة فقد يكون واحدًا من أصعب الاختبارات أمام الفنان.
ومحمد فراج يبدو أنه اختار أن يخوض هذه الاختبارات دون خوف، ليؤكد أن الممثل الحقيقي هو الذي يستطيع أن يجعلك تكره الشخصية التي يحبها هو كممثل، وأن تصدق كذبتها، وتعيش خوفها، وربما تتعاطف معها للحظات.
وهنا تحديدًا يصبح محمد فراج "مجرم تمثيل" لأنه كلما أقنعنا بأنه شخص آخر، أثبت لنا أنه ممثل أكثر خطورة وذكاءً.